ثمانون عامًا على الاستقلال: حين يعيد الوطن تعريف نفسه


رم - بقلم عمر الدريني

ليس كلُّ ما يُسمّى استقلالًا يكون قد اكتمل فعلًا، فبعض الأوطان تنال لحظة الحرية، لكنها تظل سنوات طويلة تحاول أن تفهم ماذا تعني الحرية أصلًا.
ثمانون عامًا ليست مجرد رقمٍ في سجلّ التاريخ، ولا مناسبةً تُستعاد فيها الذكريات بقدر ما هي سؤالٌ مفتوح عن معنى الوطن حين يتحول من لحظة ميلادٍ إلى مسار وعيٍ طويل. فالأوطان العميقة لا تُقاس بما نالته من استقلال فقط، بل بما صنعته من إنسانٍ قادر على حمل هذا الاستقلال في فكره وسلوكه ومؤسساته.
لقد كان الاستقلال، منذ لحظته الأولى، انتقالًا من زمن التلقي إلى زمن الفعل، ومن انتظار القرار إلى صناعة المصير. ولم يكن حدثًا معزولًا عن سنن التغيير في التاريخ، بل تجلّيًا لمعنى أن التحول الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الخارج.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
هذه الآية تضع الأساس الأول لفهم حركة الأمم؛ فالتغيير لا يُفرض من الخارج، ولا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ من الداخل، بهدوءٍ تراكمي، حتى تتبدل ملامح الواقع دون أن يشعر الناس بالبداية.
وفي امتداد هذا المعنى، جاء في السنة النبوية الشريفة:" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"
وهو حديثٌ يحوّل فكرة الاستقلال من حدثٍ تاريخي إلى مسؤولية مستمرة، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة؛ فكل وعيٍ فردي هو جزء من وعي الوطن، وكل تقصير صغير ينعكس في البنية الكبرى للمجتمع.
وليس الاستقلال لحظة تُختصر في تاريخ، بل هو مسار طويل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية: في التعليم، في العمل، في العدالة، وفي الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته ووطنه.
وفي هذا السياق، يكفي أن نتأمل كيف تحوّلت دولٌ خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكةً وممزقة، مثل ألمانيا واليابان، من رماد الانكسار إلى نماذج في الإنتاج والتنظيم، لم يكن التحول سياسيًا فقط، بل كان أعمق من ذلك؛ إذ بدأ حين تغيّرت نظرة الإنسان إلى العمل والوقت والمسؤولية، وهناك فقط بدأ بناء الدولة الحقيقي.
ثمانون عامًا ليست نهاية قصة، بل طبقات من الزمن تتداخل فيها التجارب: جيلٌ بدأ الحكاية بكل ما فيها من صعوبة، وجيلٌ جاء ليبني ويثبّت، وجيلٌ لاحق يسأل بهدوء: كيف نحافظ على هذا المعنى دون أن يتحول إلى ذكرى باهتة؟
ربما أجمل ما في الوطن أنه لا يبقى ثابتًا في إدراكنا له. نحن نتغير داخله، وهو يتشكل بنا، وفي كل مرحلة نراه من زاوية مختلفة، وكأننا نكتشفه من جديد.
ويقول الحكماء:" الدول لا تسقط فجأة، بل تضعف وهي لا تشعر"
وهذا المعنى يختصر حقيقة دقيقة: أن التآكل لا يأتي بصوتٍ عالٍ، بل يتسلل بصمت إلى التفاصيل الصغيرة، حتى يصبح التغيير واقعًا دون أن يُعلن عن نفسه.
وفي لحظة الوعي هذه، يظل الشعر حاضرًا بوصفه اختصارًا للمعنى حين يعجز النثر عن الإحاطة به:
إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
وهي عبارة تختصر فكرة الإرادة حين تبلغ ذروتها؛ إذ لا تبقى مجرد شعور، بل تتحول إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نال الوطن استقلاله؟
بل: كيف نحافظ على معناه حيًا بعد مرور الزمن؟
خاتمة
ثمانون عامًا على الاستقلال ليست زمنًا مرّ، بل معنى ما زال يُختبر كل يوم.
فالأوطان لا تُهزم حين تُنتهك حدودها فقط، بل حين يضعف المعنى الذي قامت عليه من الداخل، ولا تنتصر لأنها بدأت بداية قوية، بل لأنها بقيت قادرة على أن تُعيد تعريف نفسها كل مرة يختبرها الزمن.
وفي النهاية، لا يبقى السؤال مرتبطًا بالماضي بقدر ما يظل موجّهًا إلى الحاضر:
هل ما زال الاستقلال يعيش فينا كوعيٍ نمارسه، أم أنه أصبح ذكرى نُحسن الاحتفال بها فقط؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي بعد ثمانين عامًا: أن لا نكتفي بأن نروي قصة الاستقلال، بل أن نثبت أننا ما زلنا جزءًا حيًا من معناها.



عدد المشاهدات : (3955)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :