رم - في ذكرى استقلال الوطن
في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة، يقف الأردن كقصيدةٍ من نورٍ كُتبت بحبر الكبرياء، وكقافلة، مجدٍ عبرت صحارى الألم لتصل إلى فسحة الأمان، ثمانون عامًا، وهذا الوطن يشبه السيف حين يلمع في وجه العواصف، ويشبه السنابل حين تنحني للريح لكنها لا تنكسر، فلم يكن الاستقلال حدثًا عابرًا في رزنامة التاريخ، بل كان ميلادَ روحٍ عربيةٍ أبت أن تُقيّد، فارتفعت الراية فوق الهامات، وكأن صدى الأجداد ما يزال يتردد في فضاء الوطن، ومنذ أن خطَّ الأردنيون أولى خطوات الدولة، كانوا يدركون أن الأوطان لا تُورَّث جاهزة، بل تُنتزع من وهج التضحيات، وتُبنى على أكتاف الرجال الذين جعلوا من الصبر عقيدة، ومن الكرامة عنوانًا لا يبهت، فاصبح الأردن بين الأزمنة كفارسٍ يعرف أن الطريق الشاق هو الطريق الذي يليق بالمجد.
وحين تضيق الحكايات بالأمم، كان الأردن يتسع وحين تتكسر الأحلام على صخور المحن، كان الأردني ينهض مرددًا بروحٍ لا تخبو: موطني موطني ......الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك” فهذا الوطن لم يكن يومًا حدودًا مرسومة على الخرائط، بل كان معنىً يسكن القلوب، وملاذًا من الفوضى، ووجهًا عربيًا مضيئًا وسط العتمة، عبر الحروب والأزمات، وبقي الأردن واقفًا كالسنديانة؛ فكلما عصفت به الرياح، ازداد تجذرًا في الأرض، وازداد التصاقًا بالحلم، وفي هذا العيد الوطني العظيم، لا يليق بنا أن نُطيل الوقوف عند مواجع الطريق أو أن نستغرق في جلد الذات؛
فالأوطان التي صنعت مجدها من الرماد لا تخشى العثرات، بل تجعل منها سلالم نحو القمم، إن الواجب الذي ينتظرنا اليوم، أن نؤمن بالأردن كما آمن به الآباء، وأن نحمل الرسالة بذات النبل: علمًا، وعملاً، ووفاءً، وإخلاصًا لا تزعزعه المتغيرات.
ولعل أجمل ما يليق بهذه الذكرى، أن نستحضر ذلك النداء العابق بحب الوطن، والذي سكن الوجدان الأردني طويلًا، وأن ندرك أن الراية لا تبقى عاليةً إلا بسواعد أبنائها، وبعقولٍ ترى في المستقبل وعدًا لا خوفًا، وفي الوطن مسؤوليةً لا شعارًا، ثمانون عامًا، والأردن الاغلى يواصل كتابة ملحمته بهدوء العظماء؛ وما يزال في القلب متسعٌ لأملٍ أكبر، ولغدٍ أكثر إشراقًا، ولحلمٍ أردنيٍّ يزداد اتساعًا كلما توحدت القلوب حول ترابه الطهور.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه أمنه ومهابته، وأبقى رايته خفّاقةً في سماوات المجد، وجعل أبناءه دائمًا كما أرادهم الوطن: أوفياءَ للحلم، أمناءَ على الرسالة، ماضين نحو المستقبل بعينٍ يملؤها الضوء، وقلبٍ يفيض يقينًا بأن الأردن الاغلى… سيبقى وطن العز الذي لا ينحني.
أ.د غازي عبدالمجيد الرقيبات