رم - شهدت الإرشادات الغذائية العالمية خلال العقود الأخيرة تطورًا كبيرًا نتيجة التقدم في الأبحاث الطبية وعلم التغذية. ومن أبرز هذه التطورات الانتقال من “الهرم الغذائي التقليدي” إلى نماذج حديثة مثل “الطبق الصحي” أو ما يُعرف بـ(Eating Plate). يضع معهد العناية بصحة الأسرة (من معاهد مؤسسة الملك الحسين)، بين يدي القارئ أهم التعديلات التي جرت على الهرم الغذائي، إضافة إلى بيان الهرم الغذائي القديم وأسباب تعديله، وظهور الطبق الصحي بدلا من الهرم.
جاءت التعديلات على الهرم الغذائي استجابةً لانتقادات علمية وُجهت للهرم الغذائي القديم، الذي كان يركز بشكل كبير على الكربوهيدرات والحبوب دون التمييز بين الأنواع الصحية وغير الصحية منها. وتشير أبحاث التغذية الحديثة إلى أن جودة الطعام أهم من كميته فقط، وأن نوع الدهون والكربوهيدرات والبروتينات يؤثر بصورة مباشرة على الصحة العامة والوقاية من الأمراض المزمنة.
ما هو الهرم الغذائي التقليدي؟
ظهر الهرم الغذائي التقليدي لأول مرة بشكل واسع في الولايات المتحدة عام 1992، وكان الهدف منه توجيه الناس إلى تناول كميات متوازنة من الطعام يوميًا. وقد قُسم الهرم إلى طبقات، حيث احتلت الحبوب والخبز والأرز والمعكرونة قاعدة الهرم، مع توصية بتناولها بكثرة، بينما وُضعت الدهون والزيوت والحلويات في القمة باعتبارها أطعمة يجب التقليل منها.
ورغم أن هذا النموذج ساعد على نشر الثقافة الغذائية في ذلك الوقت، فإن كثيرًا من خبراء التغذية لاحقًا انتقدوه لأنه لم يوضح الفرق بين الحبوب الكاملة والحبوب المكررة، كما لم يميز بين الدهون الصحية والدهون الضارة. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر بعض الباحثين أن الهرم تأثر بالسياسات الزراعية والصناعات الغذائية أكثر من اعتماده الكامل على الأدلة العلمية الحديثة.
لماذا تم تعديل الهرم الغذائي؟
مع تزايد معدلات السمنة ومرض السكري وأمراض القلب حول العالم، بدأت الأبحاث تكشف أن بعض التوصيات القديمة لم تكن كافية لتحقيق صحة جيدة. وقد أظهرت الدراسات أن تناول كميات كبيرة من الحبوب المكررة مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض قد يؤدي إلى ارتفاع سكر الدم وزيادة خطر الإصابة بالسكري والسمنة. كما أثبتت الأبحاث أن بعض الدهون النباتية، مثل زيت الزيتون، مفيدة لصحة القلب، على عكس الاعتقاد القديم الذي كان يوصي بتقليل جميع أنواع الدهون.
لهذا السبب بدأت المؤسسات الصحية في تطوير نموذج غذائي أكثر وضوحًا وواقعية، يساعد الناس على تكوين وجبات صحية متوازنة بسهولة.
ظهور “الطبق الصحي” بدلًا من الهرم:
في عام 2011 ظهر نموذج جديد أُطلق عليه اسم (My Plate) من وزارة الزراعة الأمريكية، حيث تم استبدال شكل الهرم بصورة طبق مقسم إلى أربع مجموعات غذائية رئيسية: الخضروات، والفواكه، والحبوب، والبروتين، مع إضافة منتجات الألبان بجانب الطبق. وكان الهدف من هذا التغيير تسهيل فهم الناس لكيفية توزيع الطعام داخل الوجبة الواحدة بدلًا من التفكير في طبقات الهرم.
لكن خبراء التغذية في (Harvard School of Public Health) قدموا نسخة أكثر تطورًا تُعرف باسم “الطبق الغذائي الصحي (Healthy Eating Plate) ، والتي اعتمدت على أحدث الدراسات العلمية في مجال التغذية. وقد أوضح الباحثون أن هذا النموذج أكثر دقة لأنه لا يكتفي بتقسيم الطعام، بل يوضح نوعية الغذاء الصحي الذي يجب اختياره.
أهم التعديلات التي تمت على الهرم الغذائي الجديد:
1. التركيز على جودة الحبوب:
في الهرم القديم كانت جميع الحبوب تُعامل بالطريقة نفسها، بينما يركز النظام الحديث على الحبوب الكاملة مثل الشوفان، والقمح الكامل، والأرز البني، لأنها تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية المفيدة. أما الحبوب المكررة مثل الخبز الأبيض والمعجنات فتُنصح بالتقليل منها لأنها ترفع مستوى السكر في الدم بسرعة.
2 . زيادة أهمية الخضروات:
أصبحت الخضروات تمثل الجزء الأكبر من الطبق الصحي، حيث يُوصى بأن تشكل نحو نصف الوجبة اليومية مع الفواكه. كما تؤكد التوصيات الحديثة على التنوع اللوني للخضروات للحصول على أكبر كمية من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة.
3. التمييز بين البروتينات الصحية وغير الصحية:
في النماذج القديمة لم يكن هناك فرق واضح بين أنواع البروتين، أما النظام الحديث فيشجع على تناول البروتينات الصحية مثل السمك، والبقوليات، والمكسرات، والدجاج، مع تقليل اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة مثل النقانق والمرتديلا بسبب ارتباطها بزيادة خطر أمراض القلب وبعض أنواع السرطان.
ومع تصدر البروتينات أعلى اولويات الهرم الجديد، يوصى بزيادة كمية البروتين المتناولة لتصبح 1.2-1.6 غرام بروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، بدلًا من 0.8 غرام سابقًا. بالإضافة إلى ذلك، يوصى بالتركيز على استهلاك البروتين الحيواني على وجه الخصوص، كاللحوم الحمراء، والدجاج، والسمك، والبيض، إلى جانب الزبادي كامل الدسم.
4. الاعتراف بأهمية الدهون الصحية:
كان الاعتقاد السائد قديمًا أن جميع الدهون ضارة، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن الدهون الصحية ضرورية للجسم، خاصة الدهون غير المشبعة الموجودة في زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات والأسماك. لذلك أصبح الطبق الصحي يشجع على استخدام الزيوت النباتية الصحية مع تجنب الدهون المتحولة والدهون الصناعية.
5. تقليل السكر والمشروبات المحلاة:
أحد أهم التعديلات الحديثة هو التحذير الواضح من المشروبات السكرية مثل المشروبات الغازية والعصائر الصناعية، لأنها ترتبط بزيادة السمنة والسكري وتسوس الأسنان. ويوصي الطبق الصحي بشرب الماء باعتباره الخيار الأفضل، مع إمكانية تناول الشاي أو القهوة دون سكر بكميات معتدلة.
6. الاعتدال في تناول الألبان:
في بعض النماذج القديمة كان يُوصى بتناول منتجات الألبان بكثرة، لكن التوصيات الحديثة أصبحت أكثر اعتدالًا، حيث تشير إلى أن تناول كمية معتدلة من الحليب أو اللبن يكفي لمعظم الأشخاص، مع إمكانية الاعتماد على مصادر أخرى للكالسيوم مثل الخضروات الورقية والمكسرات.
7. إضافة النشاط البدني:
لم يركز الهرم الغذائي التقليدي كثيرًا على الرياضة، بينما تؤكد النماذج الحديثة أن النشاط البدني جزء أساسي من الحياة الصحية. ولذلك ترتبط التوصيات الجديدة بممارسة الرياضة اليومية والحفاظ على وزن صحي إلى جانب التغذية المتوازنة.
فوائد الهرم الغذائي الجديد:
ساعدت التعديلات الحديثة على جعل التوصيات الغذائية أكثر واقعية وأسهل في التطبيق اليومي. كما أن التركيز على جودة الغذاء بدلًا من مجرد الكميات ساهم في تعزيز الوقاية من الأمراض المزمنة مثل:
- السمنة.
- السكري من النوع الثاني.
- ارتفاع ضغط الدم.
- أمراض القلب والشرايين.
- بعض أنواع السرطان.
وتشير الدراسات إلى أن الأنظمة الغذائية المعتمدة على الخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الصحية ترتبط بانخفاض معدلات الوفاة وتحسن جودة الحياة.