رم - بقلم عمر الدريني
في دوامة العصر الحديث المتسارعة، حيث تفرض "المادّية" سطوتها ويصبح الركض خلف تأمين متطلبات العيش سباقاً لا ينتهي، يجد الوالدان أنفسهما أمام معادلة صعبة ومؤلمة؛ معادلة طرفاها: "تأمين المستقبل المادي" مقابل "الحضور التربوي الدافئ". إنها مأساة "الغياب الحاضر"، حيث يغترب الآباء في أعمالهم لتوفير حياة رغيدة لأبنائهم، ليكتشفوا في نهاية المطاف أنهم وفروا "الوسائل" وفقدوا "الغاية"، وبنوا القصور لكنهم خسروا من يسكنها.
تبدأ القصة من فكرة "الاستحقاق"، حيث يعتقد الوالدان أن توفير أرقى المدارس وأحدث التقنيات والرفاهية المطلقة هو أقصى درجات الحب والمسؤولية. هذا الاندفاع المحمود نحو العمل والنجاح المهني، رغم نبل دوافعه، قد يتحول إلى "فخٍّ زمنِيّ" يسرق العمر واللحظات التي لا تعوض. فالطفل الذي ينمو في كنف "الخادمات" أو خلف "الشاشات الصامتة" لا يحتاج إلى رصيد بنكي بقدر حاجته إلى رصيد عاطفي؛ يحتاج إلى عينٍ ترقبه، وأذنٍ تصغي لآلامه الصغيرة، ويدٍ تمتد لتربت على كتفه عند العثرة. إن إهمال الأبناء تحت مبرر "الانشغال بالعمل" هو في الحقيقة استبدال للجوهر العاطفي بالمعدن البارد، وهو استثمارٌ خاسر مهما بلغت أرباحه السنوية.
وعلى الضفة الأخرى، نجد "الأبناء" الذين يدفعون ضريبة هذا الانشغال من استقرارهم النفسي وهويتهم الأخلاقية. فالإهمال ليس دائماً قسوة، بل هو أحياناً "فراغٌ قاتل" يتركه غياب الوالدين، مما يدفع الأبناء للبحث عن "بدائل للانتماء" في الفضاءات الرقمية المفتوحة أو في رفقة السوء التي تملأ فراغ أرواحهم. هذا الغياب يولد جيلاً يعاني من "اليتم الاختياري"؛ جيل يمتلك كل مقومات الحياة المادية، لكنه يفتقر إلى البوصلة الأخلاقية والاتزان النفسي، فتجده هشاً أمام التحديات، تائهاً في تحديد هويته، لأنه لم يجد القدوة التي تشكل وعيه في سنواته التكوينية الأولى.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تعني الدعوة لترك العمل أو التخلي عن الطموح، بل هي دعوة لـ "أنسنة الانشغال" وإعادة ترتيب الأولويات. نحن بحاجة إلى وعي يدرك أن "الوقت النوعي" مع الأبناء ليس تفضلاً، بل هو صمام أمان للمجتمع بأسره. إن "النجاح الحقيقي" ليس في تسلق السلم الوظيفي بينما ينهار سلم القيم في المنزل، بل هو في القدرة على الموازنة الحكيمة التي تضمن للأبناء خبزاً كافياً وحبّاً غامراً في آن واحد. إن الاستثمار في "الإنسان" داخل بيوتنا هو المشروع الوحيد الذي لا يعرف الخسارة، وهو الإرث الحقيقي الذي سيبقى بعد أن تخبو أضواء المكاتب وتجف أقلام المعاملات.
نداء من القلب.. إلى كل أب وأم يصارعان الزمن:
تذكروا أن أبناءكم لن يتذكروا "الساعات الإضافية" التي قضيتموها في العمل لتوفير رحلة صيفية فارهة، لكنهم سيتذكرون تلك اللحظة التي تركتم فيها كل شيء لتقولوا لهم: "نحن هنا من أجلكم". لا تجعلوا سعيهم لتأمين "المستقبل" يسرق منكم "الحاضر"، فالمكاتب ستستبدلكم في يوم واحد، أما في قلوب أبنائكم، فلا بديل لكم ولا عوض عنكم. ازرعوا فيهم الحب قبل أن تزرعوا فيهم الطموح، واعلموا أن البيت الذي يملؤه الضحك والحوار أثمن من قصرٍ يسوده الصمت والوحشة.. فالخبز وحده لا يكفي لبناء إنسان.