الحسين إربد… حين يفرح الشمال ويبتسم الوطن .. !


رم - د. مفضي المومني.


عمَّ الفرح مساء الأمس إربد، حاضرة الشمال، بفوز فريقها الحسين الملكي ببطولة الدوري… فلا تستنكروا أيَّ فرحٍ في أيِّ بيتٍ أردني… فإننا شعبٌ يحب الحياة، رغم ألف همٍّ وغمٍّ يداهم المتعبين الذين يواجهون مصاعب الحياة… والحكومات التي لا ترحم… فإذا لم تُفرحك الحكومات (ولن تفعلها…)، فاصنع لنفسك فرحاً… ولو مؤقتاً، حتى يُفرِّجها رب العالمين..!.

لكن لنأخذ الموضوع من باب مشروع النادي الملكي، والرجل الذي قاد المشروع ورفاقه… كمشروعٍ وطنيٍّ خاصٍّ واعد، نجح وتطور وأثبت أننا قادرون على النجاح بمعزل عن الحكومات ومشاريعها… وبيروقراطيتها. كنت أظن، كغيري في البدايات، أن المهندس عامر أبو عبيد رجلٌ أنعم الله عليه و(دفيع) ، يغطي الجانب المالي (الواقع) للنادي، كما كافة النوادي في بلدنا..!، لكن تبيَّن أن الرجل يحمل مشروعاً استثمارياً رياضياً، واقتصادياً واجتماعياً، أثبت نجاحه، وفكَّر خارج السرب بالاستثمار بنجوم اللعبة وبالواعدين… والنتائج مبهرة.

لم يكن فوز نادي الحسين إربد بلقب الدوري للمرة الثالثة مجرد إنجازٍ رياضيٍّ عابر… ولا مجرد احتفالٍ كرويٍّ ينتهي مع صافرة الحكم… بل كان حالةً وطنيةً من الفرح الجمعي… أعادت للشمال نبضه… وللمدرجات روحها… وللناس إيمانهم بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان… وينتهي بالوطن القوي الفَرِح…!، وأن الأردن ليس عمَّان، كما رسخت لنا الحكومات ذلك…!.

إربد… عروس الشمال… مخزن الطاقات والمعرفة، وأعلى نسبة تعليمٍ وثقافةٍ ومقدرات، والتي تعبت عبر تاريخها من التهميش أحياناً… ومن ضيق الفرص أحياناً أخرى… كانت تنتظر لمسة فرحٍ أو نجاحٍ بأيدي أبنائها، فخرجت تحتفل… بكرنفالٍ جاب شوارعها، وازدانت بالأعلام… والأهازيج صدحت حتى الفجر… والناس كانت تبتسم بعفويةٍ نادرة… فقدتها منذ سنواتٍ من التجهُّم الذي كان يداهمها، في (كل ذات ضريبة أو مخالفة أو التزام مالي أكل وشرب وتعليم وصحة… من غير أي رفاهيات) ، أو مصاعب وهموم حياتية… وبدا المشهد الجميل وكأن المدينة تستعيد شيئاً من حقها المعنوي المفقود أو المنقوص… ومن حضورها الوطني… ومن فرحتها المؤجلة…!.

هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ… بل من عملٍ وتخطيطٍ وإدارةٍ واستثمارٍ حقيقيٍّ في الرياضة والإنسان… فالرياضة لم تعد مجرد مباراةٍ وكأسٍ وصورةٍ تذكارية… بل أصبحت صناعةً اقتصاديةً واجتماعيةً ووطنيةً في كل بلدان العالم… فهي تبني الشباب… وتحارب الفراغ… وتحاصر التطرف… وتصنع الانتماء… وتعيد تشكيل الوعي الجمعي نحو الأمل والعمل والنجاح والفرح والانتماء…!.

الدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا حين فهمت أن الرياضة ليست ترفاً… بل أمنٌ وطنيٌّ ناعم… ووعيٌ جمعي، وصحة… واقتصاد… وسياحة… وفرصة لصناعة الإنسان المتوازن الواثق بنفسه… وبوطنه. ونحن في الأردن نملك طاقاتٍ شبابيةً متعلمةً هائلة… لكنها تحتاج لمن يؤمن بها… ويمكنها… ويستثمر فيها… لا أن يتركها فريسةً للبطالة والإحباط والفراغ…!، في معادلةٍ غير متكافئة تؤمن بأبناء الذوات… في التوظيف والتكريس والتوريث والمصالح… وتهمِّش أبناء العامة، والعسكر، والفلاحين، ومن قبلوا أن يكونوا ملح الوطن… وكظموا الغيظ لعيونه..!.

ما فعله الحسين إربد رسالةٌ مهمةٌ للحكومات والمؤسسات… أن النجاح لا يولد صدفة… وأن الإدارة المحترفة تصنع الفارق… وأن الجماهير، حين تجد فريقاً يحترمها، تمنحه القلب قبل التصفيق… لذلك لم تكن احتفالات الشمال مجرد فرحٍ بكأس… بل كانت احتفالاً بالكرامة المعنوية… وبصوت المدينة… وبحلم الناس البسطاء الذين وجدوا في ناديهم مساحةً للفرح والانتماء…!، ومغازلة الوطن والوطنية التي أرادوا إطفاءها فيهم..!.

نعم… فاز الحسين بالدوري… لكن الحقيقة الأجمل أن الفائز الأكبر كان الأردن… حين اجتمع الناس على الفرح… بعيداً عن السياسة… وكذب السياسيين والحكوميين وعبثهم… وتصريحاتهم المستفزة بين حينٍ وحين… والضغوط والهموم التي أصبحت زادهم اليومي، رغماً عنهم… وبأيدٍ تدَّعي أنها تعرف… وأنها وطنية… وهم أصحاب (الدب اللعين الذي عاث بكرمنا الطيب..!).

الشباب يصنعون فرح الوطن، والوطن الذي نحب يفرح شبابه… ولو من خلال الرياضة… والمنتخب الوطني أو النادي الذي نحب… وهنا نعرف أن الوطن ما زال بخير… وما زالت تدب فيه الحياة…!.

نادي الحسين إربد تأسس عام 1964 في مدينة إربد، ليصبح أحد أبرز الأندية الرياضية في شمال الأردن وأكثرها جماهيرية. حمل النادي اسم الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، وبرز عبر تاريخه الطويل في كرة القدم والعديد من الألعاب الرياضية الأخرى… وله عشاقٌ عتيقون… ومن جيل الشباب… كما بقية أنديتنا التي نعتز بها… ونتمنى أن ييسر الله لها رجالاً وإداراتٍ وطنيةً تتمثل تجربة عامر أبو عبيد وإدارته ومشروعه… (للعلم، لم ألتقِ الرجل شخصياً… ولكني معجبٌ بمشروعه ونجاحاته).

مع أني من مشجعي الحسين، ومتابعي كرة القدم… وكنت أحضر مباريات الدوري من سبعينيات القرن الماضي… وأتذكر غزلان الشمال أيام سهل غزاوي، وكميل، ومحمود الأزعر، وراتب الضامن، ومباركه… والخالدي… وغيرهم…

لنجعل من الرياضة مشروعاً وطنياً… بهمة المخلصين… فبعد ردحٍ من العمر… أرهقنا المخمليون المترفون… وزراء التوريث والواسطات...والبرشوتات.. من الساسة وأصحاب نظريات الاقتصاد والقادم الأجمل.. الحكوميون بتصريحاتهم وطلاتهم التي لا تسر الخاطر…والنتائج تداهمنا في وطن نحبه..ونقبض عليه بالنواذج..؛ فلم نفز بالإبل… وألبسونا خُفَّي حنين..! رغماً عنا… ثم أنهم يطلبون منا التقشف… ألا ساء ما يفعلون..!.

حمى الله الأردن.



عدد المشاهدات : (4334)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :