ما قبل الجولة الثانية بين لبنان واسرائيل


رم - د . راشد الشاشاني

من على منصة القلق الذي دار مع دوران الاحداث جميع مراحل التجارب ؛ اعلن الرئيس اللبناني في اليوم الاول لوقف اطلاق النار ـ قبل ايام ـ انه ماض باتجاه عقد اتفاقات نهائية مع اسرائيل مهما كلّفه الامر ، لهجته هذه حملت معها هجوما مباشرا ـ وليس مبطنا ـ على حزب الله الذي قال له " كفى " وان لم يسمّه ، بل اختار في مقابل ذلك تثبيت صفة المغامرة بمستقبل لبنان له ؛ في ذات الحكم الذي اكد فيه احكام خصوم هذا الحزب عليه .

غير ان هجوم الرئيس كان مغايرا في مرّته هذه ، فمن جهة : كان واضحا فيه استناده الى اتفاقات او تفاهمات او بالاقل تطمينات خارجية ؛ تخصّ الوقوف بجانب الرئاسة في رحلة " مغامرتها " هذه ، بالتاكيد الولايات المتحدة هي راس هذه التطمينات ؛ بالاضافة الى غيرها ، ليست كلمات الشكر التي وجهها هي من تشير الى تفاهمات كهذه ، انها لغة القفز فوق مدرج السير الهاديء الموجّه الذي سارت عليه خطة الحكم اللبناني بمستوى رئاستي الحمهورية والحكومة ، وساهم عن غير قصد - ربما غير فهم ايضا - في تأزيم نتائجها نبيه بري " الاخ الاكبر " لحزب الله بعد ان فشل في امتحان اللياقة لهذا المنصب - كما توقعنا - قبل اكثر من عام .

من جهة ثانية : لم يكن هجوم الرئيس منعزلا عن مخرج الطواريء ؛ الذي سمح فيه لحزب الله استدراك فهم الرئيس لبعض نتائج توجّهاته الصعبة ؛ التي لم يتمكن من تفاديها ولن يمكنه فعل ذلك مستقبلا ، مخرج الطواريء لم يكن تقليديا هذه المرة ، لم يكن بصورة التسامح مع سياسة الحزب ودعوته الى اللحاق بركب الاكثرية ؛ لقد استحدثت صناعة هذا المخرج تصميما جاذبا - وفقا لاعتقادها - يقوم على تقديم درس لحزب الله ؛ مفاده : ان الجميع يقفون ضدّه ، وهي مرحلة متقدمة على مرحلة : " الجميع يريدون انهاء الحرب " هذه الجاذبية استعانت في تفعيل قدرتها بتنبيه حزب الله انه السبب في قتل اللبنانيين ، وتدمير ارضهم ، وانه الخاسر الوحيد من الان فصاعدا ان لم يمتثل ؛ دون ان تضع هذه الجاذبية ولا هذا الدرس صورة لهيئة هذا الامتثال .

وفقا لاصحاب مدرسة التدريب هذه : تفادي خسارة الحزب يجب ان يدفعه الى السير قدما في التفاهم اللبناني الاسرائيلي برعاية أمريكية ، فلا ينبغي له التوقف عند حد عدم الاعتراض ، باعتبار ان تفاهمات كهذه لن تكون ذات معنى ، سيما مع الاصرار على تمثيل شيعي رئيسي في وفد التفاوض ، باعتبار غياب هذا التمثيل يعني بالضرورة ان اي اتفاق سيكون فارغا من مضمونه ، تهزّه رياح النقض المناويء لخطة سير المجاميع .

هذا المطلب الاخير ليس فقط امريكي اسرائيلي ، انه فوق ذلك لبناني "رسمي شعبي" يمكن من خلاله لكل لبنان ، - مخصوما منه حزب الله - ان يذيب في ماء عذوبة اطروحات المعارضين لحزب الله مرارة الاصطدام معه ، هذا من جهة الداخل ، اما من جهة الخارج : فانه يشكل مكسرا لعصا ايران الاهم والاقوى في جوار اسرائيل وفي عداء الولايات المتحدة من حيث قوة الضغط هذه .

هذا المكان السياسي الذي وصلت اليه لبنان يعني بالضرورة ان مسك العصا من المنتصف ، والسير الهاديء ؛ الذي كان يشاغل فيه رئيس الجمهورية قوى الضغط الداخلي و الخارجي ؛ لكي يستطيع تمرير وقت الذروة حتى وقت تغيّر ظروفها ؛ بما يمكّنه من بلوغ برّ امان ؛ يقيل عثرة الاختيار بين خيارين احلاهما مر ، تبيّن لغيرنا أن القبض على عصا التوسّط هو المكان الذي هندست طريقه قوى الضغط هذه ، ووقع فيه لبنان - الذي ظن نفسه متبيّنا امره وامر ما يُحاك له - بفعل سياسة التلوّن والتليّن في مواجهة الحسم ، والهروب من الكلفة الاعلى الى الكلفة - ليست الاقل بل الاكثر من الاعلى- الاسلم وفقا لمصالح اصحاب القرار لا وفقا لمصير لبنان ، الذي لم يعترض احد من مسؤوليه على تصريحات غير لائقه بدولته ، كان اخرها تصريحات جدعون ساعر عندما طلب مساعدة لبنان الرسمي بالوقوف في وجه حزب الله .

ازداد تعقيد المشهد هذا - الذي دفعته لحظة نشوة الولايات المتحدة - حين لاحت لحظة اقتراب انهاء ملف ايران ، سيّما مع محاولتها سحب نفوذ كل القوى المحلية والدولية من لبنان لصالح هدفها هذا ؛ حين صدّت محاولات على جانب اخر تقف مانعة لأي اتفاق مع اسرائيل قبل تحقيق شروط معينة ، منها على سبيل المثال : الاعتراف بدولة فلسطينية كما تربد السعودية ؛ التي وجدت في تسرّع لبنان نحو التفاوض " وليس السلام " امرا يجب فيه التروي ، و قد شاركتها مصر هذه النصيحة.

سبقت هذه الاعتبارات خط نهاية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة وايران ، لكنها تغيّرت حتما ؛ وغيرت معها موازين الحسابات بعد اعلان ترامب تمديد الهدنة دون تاقيت ، سينعكس هذا على خط سير التفاوض اللبناني وسيتضاعف اثره وفقا لخط سير التفاوض الايراني الامريكي ، يبدو ان مسعى طلب لبنان تمديد مهلة اطلاق النار لمدة شهر - وفقا لما تناقل - يعدّ واحدا من مظاهر الانقلاب هذه التي يراد منها استطلاع مكان الوصول قبل بدء المسير .

اخيرا يبدو قلق الرئيس اللبناني مبنيا على تفرّد هذه المرحلة بتصارع سحب النفوذ بين الجهات الدولية في لبنان ، سيما مع تعارض اهداف السعودية والولايات المتحدة من جهتها السابق الاشارة اليها ، معطوفا على سعي السعودية لتطويق حزب الله من جهات اخرى في مقابل توجّس اسرائيلي ، وابعاد الولايات المتحدة و اسرائيل لاية مشاركة فرنسية مهما بلغ قدرها ؛ كان قصر الاليزيه قد عرض مؤخرا ارسال مهمة عسكرية تضمن امن الجنوب في خطوة تسعى لعرقلة المدّ الاسرائيلي . في كل هذه الاحوال بقيت مؤسسات الحكم اللبنانية وحيدة في ميدان المواجهة ، ايا كانت جبهتها ، التي يترتب عليها ان تواجه وحدها تغيّرا في المزاج الخليجي بعد حرب ايران ـ كنا قد تحدثنا عنه سابقا - هذا التغيّر الذي سيحمّلها تبعات مخاوف قيام ادارة ترامب بعملية سحب النفوذ السعودي من لبنان ، سيما ان التغيرات في موقف لبنان هذه المرة ؛ تقتصر على قبول لبنان الرسمي مواجهة حزب الله علنا بدلا من التلميح ، وهو يتخذ عدته في تحشيد عاطفي - لن يغني شيئا - عندما يحاول التاكيد على ان التفاوض لا يكون الا مع عدو ، في خطوة تشرّع لمواجهة الحزب بعد ان نصّبت إسرائيل فيه نفسها شريكة علنية في هذه المهمة ، المصيبة ان يكون ذلك بناء على اتفاق مع لبنان وليس مجرد تطوّع اسرائيلي .

بعد هذا : هل تفاجئنا الايام بتغيير موقع حزب الله من عدو الى حليف ؟!



عدد المشاهدات : (4213)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :