من على منصة القلق الذي دار مع دوران الاحداث جميع مراحل التجارب ؛ اعلن الرئيس اللبناني في اليوم الاول لوقف اطلاق النار ـ قبل ايام ـ انه ماض باتجاه عقد اتفاقات نهائية مع اسرائيل مهما كلّفه الامر ، لهجته هذه حملت معها هجوما مباشرا ـ وليس مبطنا ـ على حزب الله الذي قال له ' كفى ' وان لم يسمّه ، بل اختار في مقابل ذلك تثبيت صفة المغامرة بمستقبل لبنان له ؛ في ذات الحكم الذي اكد فيه احكام خصوم هذا الحزب عليه .
غير ان هجوم الرئيس كان مغايرا في مرّته هذه ، فمن جهة : كان واضحا فيه استناده الى اتفاقات او تفاهمات او بالاقل تطمينات خارجية ؛ تخصّ الوقوف بجانب الرئاسة في رحلة ' مغامرتها ' هذه ، بالتاكيد الولايات المتحدة هي راس هذه التطمينات ؛ بالاضافة الى غيرها ، ليست كلمات الشكر التي وجهها هي من تشير الى تفاهمات كهذه ، انها لغة القفز فوق مدرج السير الهاديء الموجّه الذي سارت عليه خطة الحكم اللبناني بمستوى رئاستي الحمهورية والحكومة ، وساهم عن غير قصد - ربما غير فهم ايضا - في تأزيم نتائجها نبيه بري ' الاخ الاكبر ' لحزب الله بعد ان فشل في امتحان اللياقة لهذا المنصب - كما توقعنا - قبل اكثر من عام .
من جهة ثانية : لم يكن هجوم الرئيس منعزلا عن مخرج الطواريء ؛ الذي سمح فيه لحزب الله استدراك فهم الرئيس لبعض نتائج توجّهاته الصعبة ؛ التي لم يتمكن من تفاديها ولن يمكنه فعل ذلك مستقبلا ، مخرج الطواريء لم يكن تقليديا هذه المرة ، لم يكن بصورة التسامح مع سياسة الحزب ودعوته الى اللحاق بركب الاكثرية ؛ لقد استحدثت صناعة هذا المخرج تصميما جاذبا - وفقا لاعتقادها - يقوم على تقديم درس لحزب الله ؛ مفاده : ان الجميع يقفون ضدّه ، وهي مرحلة متقدمة على مرحلة : ' الجميع يريدون انهاء الحرب ' هذه الجاذبية استعانت في تفعيل قدرتها بتنبيه حزب الله انه السبب في قتل اللبنانيين ، وتدمير ارضهم ، وانه الخاسر الوحيد من الان فصاعدا ان لم يمتثل ؛ دون ان تضع هذه الجاذبية ولا هذا الدرس صورة لهيئة هذا الامتثال .
وفقا لاصحاب مدرسة التدريب هذه : تفادي خسارة الحزب يجب ان يدفعه الى السير قدما في التفاهم اللبناني الاسرائيلي برعاية أمريكية ، فلا ينبغي له التوقف عند حد عدم الاعتراض ، باعتبار ان تفاهمات كهذه لن تكون ذات معنى ، سيما مع الاصرار على تمثيل شيعي رئيسي في وفد التفاوض ، باعتبار غياب هذا التمثيل يعني بالضرورة ان اي اتفاق سيكون فارغا من مضمونه ، تهزّه رياح النقض المناويء لخطة سير المجاميع .
هذا المطلب الاخير ليس فقط امريكي اسرائيلي ، انه فوق ذلك لبناني 'رسمي شعبي' يمكن من خلاله لكل لبنان ، - مخصوما منه حزب الله - ان يذيب في ماء عذوبة اطروحات المعارضين لحزب الله مرارة الاصطدام معه ، هذا من جهة الداخل ، اما من جهة الخارج : فانه يشكل مكسرا لعصا ايران الاهم والاقوى في جوار اسرائيل وفي عداء الولايات المتحدة من حيث قوة الضغط هذه .
هذا المكان السياسي الذي وصلت اليه لبنان يعني بالضرورة ان مسك العصا من المنتصف ، والسير الهاديء ؛ الذي كان يشاغل فيه رئيس الجمهورية قوى الضغط الداخلي و الخارجي ؛ لكي يستطيع تمرير وقت الذروة حتى وقت تغيّر ظروفها ؛ بما يمكّنه من بلوغ برّ امان ؛ يقيل عثرة الاختيار بين خيارين احلاهما مر ، تبيّن لغيرنا أن القبض على عصا التوسّط هو المكان الذي هندست طريقه قوى الضغط هذه ، ووقع فيه لبنان - الذي ظن نفسه متبيّنا امره وامر ما يُحاك له - بفعل سياسة التلوّن والتليّن في مواجهة الحسم ، والهروب من الكلفة الاعلى الى الكلفة - ليست الاقل بل الاكثر من الاعلى- الاسلم وفقا لمصالح اصحاب القرار لا وفقا لمصير لبنان ، الذي لم يعترض احد من مسؤوليه على تصريحات غير لائقه بدولته ، كان اخرها تصريحات جدعون ساعر عندما طلب مساعدة لبنان الرسمي بالوقوف في وجه حزب الله .
ازداد تعقيد المشهد هذا - الذي دفعته لحظة نشوة الولايات المتحدة - حين لاحت لحظة اقتراب انهاء ملف ايران ، سيّما مع محاولتها سحب نفوذ كل القوى المحلية والدولية من لبنان لصالح هدفها هذا ؛ حين صدّت محاولات على جانب اخر تقف مانعة لأي اتفاق مع اسرائيل قبل تحقيق شروط معينة ، منها على سبيل المثال : الاعتراف بدولة فلسطينية كما تربد السعودية ؛ التي وجدت في تسرّع لبنان نحو التفاوض ' وليس السلام ' امرا يجب فيه التروي ، و قد شاركتها مصر هذه النصيحة.
سبقت هذه الاعتبارات خط نهاية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة وايران ، لكنها تغيّرت حتما ؛ وغيرت معها موازين الحسابات بعد اعلان ترامب تمديد الهدنة دون تاقيت ، سينعكس هذا على خط سير التفاوض اللبناني وسيتضاعف اثره وفقا لخط سير التفاوض الايراني الامريكي ، يبدو ان مسعى طلب لبنان تمديد مهلة اطلاق النار لمدة شهر - وفقا لما تناقل - يعدّ واحدا من مظاهر الانقلاب هذه التي يراد منها استطلاع مكان الوصول قبل بدء المسير .
اخيرا يبدو قلق الرئيس اللبناني مبنيا على تفرّد هذه المرحلة بتصارع سحب النفوذ بين الجهات الدولية في لبنان ، سيما مع تعارض اهداف السعودية والولايات المتحدة من جهتها السابق الاشارة اليها ، معطوفا على سعي السعودية لتطويق حزب الله من جهات اخرى في مقابل توجّس اسرائيلي ، وابعاد الولايات المتحدة و اسرائيل لاية مشاركة فرنسية مهما بلغ قدرها ؛ كان قصر الاليزيه قد عرض مؤخرا ارسال مهمة عسكرية تضمن امن الجنوب في خطوة تسعى لعرقلة المدّ الاسرائيلي . في كل هذه الاحوال بقيت مؤسسات الحكم اللبنانية وحيدة في ميدان المواجهة ، ايا كانت جبهتها ، التي يترتب عليها ان تواجه وحدها تغيّرا في المزاج الخليجي بعد حرب ايران ـ كنا قد تحدثنا عنه سابقا - هذا التغيّر الذي سيحمّلها تبعات مخاوف قيام ادارة ترامب بعملية سحب النفوذ السعودي من لبنان ، سيما ان التغيرات في موقف لبنان هذه المرة ؛ تقتصر على قبول لبنان الرسمي مواجهة حزب الله علنا بدلا من التلميح ، وهو يتخذ عدته في تحشيد عاطفي - لن يغني شيئا - عندما يحاول التاكيد على ان التفاوض لا يكون الا مع عدو ، في خطوة تشرّع لمواجهة الحزب بعد ان نصّبت إسرائيل فيه نفسها شريكة علنية في هذه المهمة ، المصيبة ان يكون ذلك بناء على اتفاق مع لبنان وليس مجرد تطوّع اسرائيلي .
بعد هذا : هل تفاجئنا الايام بتغيير موقع حزب الله من عدو الى حليف ؟!
د . راشد الشاشاني
من على منصة القلق الذي دار مع دوران الاحداث جميع مراحل التجارب ؛ اعلن الرئيس اللبناني في اليوم الاول لوقف اطلاق النار ـ قبل ايام ـ انه ماض باتجاه عقد اتفاقات نهائية مع اسرائيل مهما كلّفه الامر ، لهجته هذه حملت معها هجوما مباشرا ـ وليس مبطنا ـ على حزب الله الذي قال له ' كفى ' وان لم يسمّه ، بل اختار في مقابل ذلك تثبيت صفة المغامرة بمستقبل لبنان له ؛ في ذات الحكم الذي اكد فيه احكام خصوم هذا الحزب عليه .
غير ان هجوم الرئيس كان مغايرا في مرّته هذه ، فمن جهة : كان واضحا فيه استناده الى اتفاقات او تفاهمات او بالاقل تطمينات خارجية ؛ تخصّ الوقوف بجانب الرئاسة في رحلة ' مغامرتها ' هذه ، بالتاكيد الولايات المتحدة هي راس هذه التطمينات ؛ بالاضافة الى غيرها ، ليست كلمات الشكر التي وجهها هي من تشير الى تفاهمات كهذه ، انها لغة القفز فوق مدرج السير الهاديء الموجّه الذي سارت عليه خطة الحكم اللبناني بمستوى رئاستي الحمهورية والحكومة ، وساهم عن غير قصد - ربما غير فهم ايضا - في تأزيم نتائجها نبيه بري ' الاخ الاكبر ' لحزب الله بعد ان فشل في امتحان اللياقة لهذا المنصب - كما توقعنا - قبل اكثر من عام .
من جهة ثانية : لم يكن هجوم الرئيس منعزلا عن مخرج الطواريء ؛ الذي سمح فيه لحزب الله استدراك فهم الرئيس لبعض نتائج توجّهاته الصعبة ؛ التي لم يتمكن من تفاديها ولن يمكنه فعل ذلك مستقبلا ، مخرج الطواريء لم يكن تقليديا هذه المرة ، لم يكن بصورة التسامح مع سياسة الحزب ودعوته الى اللحاق بركب الاكثرية ؛ لقد استحدثت صناعة هذا المخرج تصميما جاذبا - وفقا لاعتقادها - يقوم على تقديم درس لحزب الله ؛ مفاده : ان الجميع يقفون ضدّه ، وهي مرحلة متقدمة على مرحلة : ' الجميع يريدون انهاء الحرب ' هذه الجاذبية استعانت في تفعيل قدرتها بتنبيه حزب الله انه السبب في قتل اللبنانيين ، وتدمير ارضهم ، وانه الخاسر الوحيد من الان فصاعدا ان لم يمتثل ؛ دون ان تضع هذه الجاذبية ولا هذا الدرس صورة لهيئة هذا الامتثال .
وفقا لاصحاب مدرسة التدريب هذه : تفادي خسارة الحزب يجب ان يدفعه الى السير قدما في التفاهم اللبناني الاسرائيلي برعاية أمريكية ، فلا ينبغي له التوقف عند حد عدم الاعتراض ، باعتبار ان تفاهمات كهذه لن تكون ذات معنى ، سيما مع الاصرار على تمثيل شيعي رئيسي في وفد التفاوض ، باعتبار غياب هذا التمثيل يعني بالضرورة ان اي اتفاق سيكون فارغا من مضمونه ، تهزّه رياح النقض المناويء لخطة سير المجاميع .
هذا المطلب الاخير ليس فقط امريكي اسرائيلي ، انه فوق ذلك لبناني 'رسمي شعبي' يمكن من خلاله لكل لبنان ، - مخصوما منه حزب الله - ان يذيب في ماء عذوبة اطروحات المعارضين لحزب الله مرارة الاصطدام معه ، هذا من جهة الداخل ، اما من جهة الخارج : فانه يشكل مكسرا لعصا ايران الاهم والاقوى في جوار اسرائيل وفي عداء الولايات المتحدة من حيث قوة الضغط هذه .
هذا المكان السياسي الذي وصلت اليه لبنان يعني بالضرورة ان مسك العصا من المنتصف ، والسير الهاديء ؛ الذي كان يشاغل فيه رئيس الجمهورية قوى الضغط الداخلي و الخارجي ؛ لكي يستطيع تمرير وقت الذروة حتى وقت تغيّر ظروفها ؛ بما يمكّنه من بلوغ برّ امان ؛ يقيل عثرة الاختيار بين خيارين احلاهما مر ، تبيّن لغيرنا أن القبض على عصا التوسّط هو المكان الذي هندست طريقه قوى الضغط هذه ، ووقع فيه لبنان - الذي ظن نفسه متبيّنا امره وامر ما يُحاك له - بفعل سياسة التلوّن والتليّن في مواجهة الحسم ، والهروب من الكلفة الاعلى الى الكلفة - ليست الاقل بل الاكثر من الاعلى- الاسلم وفقا لمصالح اصحاب القرار لا وفقا لمصير لبنان ، الذي لم يعترض احد من مسؤوليه على تصريحات غير لائقه بدولته ، كان اخرها تصريحات جدعون ساعر عندما طلب مساعدة لبنان الرسمي بالوقوف في وجه حزب الله .
ازداد تعقيد المشهد هذا - الذي دفعته لحظة نشوة الولايات المتحدة - حين لاحت لحظة اقتراب انهاء ملف ايران ، سيّما مع محاولتها سحب نفوذ كل القوى المحلية والدولية من لبنان لصالح هدفها هذا ؛ حين صدّت محاولات على جانب اخر تقف مانعة لأي اتفاق مع اسرائيل قبل تحقيق شروط معينة ، منها على سبيل المثال : الاعتراف بدولة فلسطينية كما تربد السعودية ؛ التي وجدت في تسرّع لبنان نحو التفاوض ' وليس السلام ' امرا يجب فيه التروي ، و قد شاركتها مصر هذه النصيحة.
سبقت هذه الاعتبارات خط نهاية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة وايران ، لكنها تغيّرت حتما ؛ وغيرت معها موازين الحسابات بعد اعلان ترامب تمديد الهدنة دون تاقيت ، سينعكس هذا على خط سير التفاوض اللبناني وسيتضاعف اثره وفقا لخط سير التفاوض الايراني الامريكي ، يبدو ان مسعى طلب لبنان تمديد مهلة اطلاق النار لمدة شهر - وفقا لما تناقل - يعدّ واحدا من مظاهر الانقلاب هذه التي يراد منها استطلاع مكان الوصول قبل بدء المسير .
اخيرا يبدو قلق الرئيس اللبناني مبنيا على تفرّد هذه المرحلة بتصارع سحب النفوذ بين الجهات الدولية في لبنان ، سيما مع تعارض اهداف السعودية والولايات المتحدة من جهتها السابق الاشارة اليها ، معطوفا على سعي السعودية لتطويق حزب الله من جهات اخرى في مقابل توجّس اسرائيلي ، وابعاد الولايات المتحدة و اسرائيل لاية مشاركة فرنسية مهما بلغ قدرها ؛ كان قصر الاليزيه قد عرض مؤخرا ارسال مهمة عسكرية تضمن امن الجنوب في خطوة تسعى لعرقلة المدّ الاسرائيلي . في كل هذه الاحوال بقيت مؤسسات الحكم اللبنانية وحيدة في ميدان المواجهة ، ايا كانت جبهتها ، التي يترتب عليها ان تواجه وحدها تغيّرا في المزاج الخليجي بعد حرب ايران ـ كنا قد تحدثنا عنه سابقا - هذا التغيّر الذي سيحمّلها تبعات مخاوف قيام ادارة ترامب بعملية سحب النفوذ السعودي من لبنان ، سيما ان التغيرات في موقف لبنان هذه المرة ؛ تقتصر على قبول لبنان الرسمي مواجهة حزب الله علنا بدلا من التلميح ، وهو يتخذ عدته في تحشيد عاطفي - لن يغني شيئا - عندما يحاول التاكيد على ان التفاوض لا يكون الا مع عدو ، في خطوة تشرّع لمواجهة الحزب بعد ان نصّبت إسرائيل فيه نفسها شريكة علنية في هذه المهمة ، المصيبة ان يكون ذلك بناء على اتفاق مع لبنان وليس مجرد تطوّع اسرائيلي .
بعد هذا : هل تفاجئنا الايام بتغيير موقع حزب الله من عدو الى حليف ؟!
د . راشد الشاشاني
من على منصة القلق الذي دار مع دوران الاحداث جميع مراحل التجارب ؛ اعلن الرئيس اللبناني في اليوم الاول لوقف اطلاق النار ـ قبل ايام ـ انه ماض باتجاه عقد اتفاقات نهائية مع اسرائيل مهما كلّفه الامر ، لهجته هذه حملت معها هجوما مباشرا ـ وليس مبطنا ـ على حزب الله الذي قال له ' كفى ' وان لم يسمّه ، بل اختار في مقابل ذلك تثبيت صفة المغامرة بمستقبل لبنان له ؛ في ذات الحكم الذي اكد فيه احكام خصوم هذا الحزب عليه .
غير ان هجوم الرئيس كان مغايرا في مرّته هذه ، فمن جهة : كان واضحا فيه استناده الى اتفاقات او تفاهمات او بالاقل تطمينات خارجية ؛ تخصّ الوقوف بجانب الرئاسة في رحلة ' مغامرتها ' هذه ، بالتاكيد الولايات المتحدة هي راس هذه التطمينات ؛ بالاضافة الى غيرها ، ليست كلمات الشكر التي وجهها هي من تشير الى تفاهمات كهذه ، انها لغة القفز فوق مدرج السير الهاديء الموجّه الذي سارت عليه خطة الحكم اللبناني بمستوى رئاستي الحمهورية والحكومة ، وساهم عن غير قصد - ربما غير فهم ايضا - في تأزيم نتائجها نبيه بري ' الاخ الاكبر ' لحزب الله بعد ان فشل في امتحان اللياقة لهذا المنصب - كما توقعنا - قبل اكثر من عام .
من جهة ثانية : لم يكن هجوم الرئيس منعزلا عن مخرج الطواريء ؛ الذي سمح فيه لحزب الله استدراك فهم الرئيس لبعض نتائج توجّهاته الصعبة ؛ التي لم يتمكن من تفاديها ولن يمكنه فعل ذلك مستقبلا ، مخرج الطواريء لم يكن تقليديا هذه المرة ، لم يكن بصورة التسامح مع سياسة الحزب ودعوته الى اللحاق بركب الاكثرية ؛ لقد استحدثت صناعة هذا المخرج تصميما جاذبا - وفقا لاعتقادها - يقوم على تقديم درس لحزب الله ؛ مفاده : ان الجميع يقفون ضدّه ، وهي مرحلة متقدمة على مرحلة : ' الجميع يريدون انهاء الحرب ' هذه الجاذبية استعانت في تفعيل قدرتها بتنبيه حزب الله انه السبب في قتل اللبنانيين ، وتدمير ارضهم ، وانه الخاسر الوحيد من الان فصاعدا ان لم يمتثل ؛ دون ان تضع هذه الجاذبية ولا هذا الدرس صورة لهيئة هذا الامتثال .
وفقا لاصحاب مدرسة التدريب هذه : تفادي خسارة الحزب يجب ان يدفعه الى السير قدما في التفاهم اللبناني الاسرائيلي برعاية أمريكية ، فلا ينبغي له التوقف عند حد عدم الاعتراض ، باعتبار ان تفاهمات كهذه لن تكون ذات معنى ، سيما مع الاصرار على تمثيل شيعي رئيسي في وفد التفاوض ، باعتبار غياب هذا التمثيل يعني بالضرورة ان اي اتفاق سيكون فارغا من مضمونه ، تهزّه رياح النقض المناويء لخطة سير المجاميع .
هذا المطلب الاخير ليس فقط امريكي اسرائيلي ، انه فوق ذلك لبناني 'رسمي شعبي' يمكن من خلاله لكل لبنان ، - مخصوما منه حزب الله - ان يذيب في ماء عذوبة اطروحات المعارضين لحزب الله مرارة الاصطدام معه ، هذا من جهة الداخل ، اما من جهة الخارج : فانه يشكل مكسرا لعصا ايران الاهم والاقوى في جوار اسرائيل وفي عداء الولايات المتحدة من حيث قوة الضغط هذه .
هذا المكان السياسي الذي وصلت اليه لبنان يعني بالضرورة ان مسك العصا من المنتصف ، والسير الهاديء ؛ الذي كان يشاغل فيه رئيس الجمهورية قوى الضغط الداخلي و الخارجي ؛ لكي يستطيع تمرير وقت الذروة حتى وقت تغيّر ظروفها ؛ بما يمكّنه من بلوغ برّ امان ؛ يقيل عثرة الاختيار بين خيارين احلاهما مر ، تبيّن لغيرنا أن القبض على عصا التوسّط هو المكان الذي هندست طريقه قوى الضغط هذه ، ووقع فيه لبنان - الذي ظن نفسه متبيّنا امره وامر ما يُحاك له - بفعل سياسة التلوّن والتليّن في مواجهة الحسم ، والهروب من الكلفة الاعلى الى الكلفة - ليست الاقل بل الاكثر من الاعلى- الاسلم وفقا لمصالح اصحاب القرار لا وفقا لمصير لبنان ، الذي لم يعترض احد من مسؤوليه على تصريحات غير لائقه بدولته ، كان اخرها تصريحات جدعون ساعر عندما طلب مساعدة لبنان الرسمي بالوقوف في وجه حزب الله .
ازداد تعقيد المشهد هذا - الذي دفعته لحظة نشوة الولايات المتحدة - حين لاحت لحظة اقتراب انهاء ملف ايران ، سيّما مع محاولتها سحب نفوذ كل القوى المحلية والدولية من لبنان لصالح هدفها هذا ؛ حين صدّت محاولات على جانب اخر تقف مانعة لأي اتفاق مع اسرائيل قبل تحقيق شروط معينة ، منها على سبيل المثال : الاعتراف بدولة فلسطينية كما تربد السعودية ؛ التي وجدت في تسرّع لبنان نحو التفاوض ' وليس السلام ' امرا يجب فيه التروي ، و قد شاركتها مصر هذه النصيحة.
سبقت هذه الاعتبارات خط نهاية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة وايران ، لكنها تغيّرت حتما ؛ وغيرت معها موازين الحسابات بعد اعلان ترامب تمديد الهدنة دون تاقيت ، سينعكس هذا على خط سير التفاوض اللبناني وسيتضاعف اثره وفقا لخط سير التفاوض الايراني الامريكي ، يبدو ان مسعى طلب لبنان تمديد مهلة اطلاق النار لمدة شهر - وفقا لما تناقل - يعدّ واحدا من مظاهر الانقلاب هذه التي يراد منها استطلاع مكان الوصول قبل بدء المسير .
اخيرا يبدو قلق الرئيس اللبناني مبنيا على تفرّد هذه المرحلة بتصارع سحب النفوذ بين الجهات الدولية في لبنان ، سيما مع تعارض اهداف السعودية والولايات المتحدة من جهتها السابق الاشارة اليها ، معطوفا على سعي السعودية لتطويق حزب الله من جهات اخرى في مقابل توجّس اسرائيلي ، وابعاد الولايات المتحدة و اسرائيل لاية مشاركة فرنسية مهما بلغ قدرها ؛ كان قصر الاليزيه قد عرض مؤخرا ارسال مهمة عسكرية تضمن امن الجنوب في خطوة تسعى لعرقلة المدّ الاسرائيلي . في كل هذه الاحوال بقيت مؤسسات الحكم اللبنانية وحيدة في ميدان المواجهة ، ايا كانت جبهتها ، التي يترتب عليها ان تواجه وحدها تغيّرا في المزاج الخليجي بعد حرب ايران ـ كنا قد تحدثنا عنه سابقا - هذا التغيّر الذي سيحمّلها تبعات مخاوف قيام ادارة ترامب بعملية سحب النفوذ السعودي من لبنان ، سيما ان التغيرات في موقف لبنان هذه المرة ؛ تقتصر على قبول لبنان الرسمي مواجهة حزب الله علنا بدلا من التلميح ، وهو يتخذ عدته في تحشيد عاطفي - لن يغني شيئا - عندما يحاول التاكيد على ان التفاوض لا يكون الا مع عدو ، في خطوة تشرّع لمواجهة الحزب بعد ان نصّبت إسرائيل فيه نفسها شريكة علنية في هذه المهمة ، المصيبة ان يكون ذلك بناء على اتفاق مع لبنان وليس مجرد تطوّع اسرائيلي .
بعد هذا : هل تفاجئنا الايام بتغيير موقع حزب الله من عدو الى حليف ؟!
التعليقات