جَدلية خِلافة الجراح: هل نحكم بروح القانون أم بصرامة النص؟


رم -
د. محمد عاطف عضيبات
تابعت خلال الأيام الماضية باهتمام بالغ النقاش القانوني العميق حول من سيخلف النائب السابق الجراح، بعد أن حسم القضاء مسألة فصله من الحزب وما ترتب على ذلك من شغور مقعده النيابي. لم يكن النقاش عادياً أو سياسياً بالمعنى الضيق، بل كان سجالاً قانونياً حقيقياً بين مدرستين، لكل منهما منطقه وأسانيده وأدواته في التفسير.

المدرسة الأولى، التي يمثلها عدد من الخبراء المرموقين، ترى أن من يخلف الجراح يجب أن يكون الذي يليه من فئة الشباب. هذه المدرسة تنطلق من قراءة مترابطة لقانون الانتخاب، لا سيما المادة 8 من قانون الانتخاب المتعلقة بتشكيل القائمة الحزبية، والمادة 58/3 من قانون الانتخاب التي تعالج شغور المقاعد المخصصة للمرأة أو الشباب. أصحاب هذا الاتجاه يقرأون القانون كوحدة واحدة، لا كمواد معزولة عن بعضها، ويستحضرون مقاصد المشرّع التي سعت إلى تعزيز تمثيل الشباب في مجلس النواب انسجاماً مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.

وفق هذا المنطق، فإن مقعد الشباب ليس مجرد رقم في ترتيب القائمة، بل هو صفة تمثيلية مقصودة بذاتها. وإذا شغر هذا المقعد، فإن مقتضى العدالة التشريعية وروح الإصلاح يفرضان أن يستمر تمثيل الشباب، ما دام ذلك ممكناً داخل القائمة ذاتها. ولا شك أن في هذا الرأي قدراً كبيراً من الوجاهة، لأنه ينسجم مع فلسفة التحديث السياسي التي أرادت إدماج فئة الشباب في الحياة النيابية بصورة مؤسسية لا رمزية.

في المقابل، تبرز مدرسة قانونية أخرى لا تقل احتراماً ولا وزناً عن الاولى، ترى أن من يخلف النائب الجراح هو الذي يليه في الترتيب ضمن القائمة الحزبية، بصرف النظر عن كونه شاباً أو غير ذلك. ووفق هذا الاتجاه، فإن المرشح الثالث في القائمة هو او هي الأحق بشغل المقعد، استناداً إلى نص المادة 58/4 من قانون الانتخاب، التي نصت صراحة على أنه في حال شغور المقعد بالاستقالة أو الفصل، يُملأ من المرشح الذي يليه في القائمة ذاتها.

هذه المدرسة تستند إلى مبدأ راسخ في الفقه القانوني: لا اجتهاد مع مورد النص. كما تستند ايضاً إلى قاعدة أخرى مفادها أن النص القانوني الخاص يقيد العام. فالمادة 58/4 جاءت لتنظيم حالة محددة هي الشغور بسبب الاستقالة أو الفصل، وبالتالي فإنها تُعد نصاً خاصاً يقيد الأحكام العامة الواردة في الفقرات الأخرى من المادة نفسها.

ومن الواضح أن الهيئة المستقلة للانتخاب قد مالت إلى رأي المدرسة الأولى، فاعتبرت أن طبيعة المقعد بوصفه مقعد شباب تظل ملازمة له عند الشغور.

وفي ضوء المقارنة التحليلية بين المدرستين فإنني، مع كامل الاحترام للمدرسة الأولى، اميل لتفسير المدرسة الثانية، وذلك لعدة أسباب:

أولاً: لو أراد المشرّع ضمان استمرار تمثيل الشباب في جميع حالات الشغور، بما في ذلك الاستقالة أو الفصل، لما احتاج إلى إضافة الفقرة الرابعة إلى المادة 58. كان يكفيه أن يترك الأمر خاضعاً للفقرة الثالثة من المادة 58 التي تعالج ملء المقاعد الشاغرة. غير أن تخصيص الفقرة الرابعة لحالة الفصل أو الاستقالة، وبصياغة محددة تقول "ملء مقعده من المترشح الذي يليه من القائمة ذاتها التي فاز عنها"، يدل على أن المشرّع قصد إنشاء قاعدة مختلفة لهذه الحالة تحديداً. وفي هذا السياق ايضاً، المشرّع في الفقرة (2) عندما أراد حماية تمثيل فئات معينة (المسيحيين، الشركس، الشيشان)، نص صراحة على أن البديل يكون من الفئة ذاتها. لكن في الفقرة (4) لم يفعل ذلك ولم يشر الى: "يتم ملؤه من القائمة المتضمِّنة أيَّ مترشح منهم" بل قال: "الذي يليه في القائمة". هنا يبدو ان الفرق مقصود تشريعياً، لا عارضاً. وهذا عملاً بالقاعدة الأصولية التي تقول: "ذكر الشيء في موضع وسكوته عنه في موضع آخر يدل على اختلاف الإرادة".

ثانياً، عند الرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة 58، نجد أن المشرّع كان واضحاً وصريحاً حين أراد المحافظة على صفة معينة للمقعد، إذ نص صراحة على أنه في حال شغور مقاعد مخصصة للمسيحيين أو الشركس أو الشيشان، وكما ذكرنا سابقاً، يُملأ المقعد من المرشح الذي يليه من الفئة ذاتها. ان هذا التحديد الدقيق يدل على أن المشرّع حين يريد تقييد الملء بصفة معينة يفعل ذلك بعبارات لا تحتمل اللبس. أما في الفقرة الرابعة، فقد استخدم عبارة محددة: "الذي يليه في القائمة"، من دون ربطها بصفة الشباب. وجدير بالذكر، أن المشرّع تعمّد ذكر الاستقالة والفصل في بند مستقل، رغم أن الشغور عموماً عولج في الفقرات السابقة. وهذا يدل على أن حالات شغور المقعد النيابي بسبب الفصل او الاستقالة ليست كغيرها من حالات الشغور الاخرى (وفاة، فقدان أهلية، إلخ). بمعنى آخر: الفصل الحزبي ليس مجرد شغور عادي، بل حالة مرتبطة ببنية القائمة ذاتها. وهنا تبرز قوة المدرسة التي تقول إن الفقرة (4) تعيدنا إلى "ترتيب القائمة" لا إلى "صفة المقعد".

ثالثاً: هل مقعد الشباب صفة دائمة للمقعد ذاته، أم أنه شرط عند الترشح فقط؟

المادة 8 من القانون الانتخاب تنظّم تشكيل القائمة، وتفرض تمثيل الشباب عند التسجيل. لكن المادة 58 تنظّم ما بعد الفوز، أي مرحلة استقرار المراكز القانونية. هنا يبرز سؤال جوهري: هل قصد المشرّع أن يستمر القيد الوصفي (شباب/امرأة) طوال الدورة البرلمانية في جميع الحالات؟ أم أنه قيد تنظيمي عند التكوين فقط؟

إذا اعتبرنا أن التخصيص يلازم المقعد دائماً، فهذا يقيّد تطبيق الفقرة(4). أما إذا اعتبرناه شرطاً انتخابياً أولياً، فإن شغور المقعد يخضع للنص الخاص الذي عالج حالة الفصل تحديداً.

في ضوء ما سبق، ان هذا الفرق في الصياغة ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو مؤشر على اختلاف في الإرادة التشريعية. فالنص حين يكون واضحاً ومباشراً، يصبح الخروج عليه بحجة المقاصد أو الروح مخاطرة قانونية تمس مبدأ الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية. فصحيح أن الإرادة السياسية التي عبّرت عنها مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية أكدت أهمية تمثيل الشباب، وصحيح أن المادة 8 من قانون الانتخاب تعكس هذا التوجه عند تشكيل القوائم.

لكن السؤال الدقيق هو: هل عالجت الفقرة الرابعة من المادة 58 هذه المسألة صراحة عند الشغور بسبب الفصل؟ الجواب الواضح، أنها عالجت.

وهنا يتجسد السؤال الحقيقي: هل نُعمل فلسفة التشريع ومقاصده العامة ولو على حساب نصوص واضحة وصريحة؟ أم نلتزم بحدود النص ونترك أمر تصحيح أي خلل تشريعي للمشرّع نفسه عبر التعديل؟

في تقديري، قوة الدولة القانونية تقاس بمدى احترامها لنصوصها قبل نواياها. فإذا تبين لاحقاً أن الفقرة الرابعة لا تنسجم مع الهدف المعلن بضمان استمرار تمثيل الشباب، فإن الطريق السليم ليس في تأويل النص بما يتجاوز عبارته، بل في تعديله صراحة ليعبّر بوضوح عن تلك الإرادة.

ان الأيام المقبلة ستشهد انتظاراً لقرار محكمة التمييز، التي ستكون كلمتها حاسمة في هذا الجدل. ورأيها لن يحسم فقط مسألة من سيشغل المقعد الشاغر، بل سيرسم منهجاً تفسيرياً للتعامل مع النصوص الانتخابية مستقبلاً. وقد يقود هذا الجدل، أياً تكن نتيجته، إلى إعادة النظر في صياغة المادة 58/4 بما يزيل أي تعارض محتمل بينها وبين فلسفة الإصلاح السياسي وروح القانون.

في النهاية، القضية ليست شخصاً ولا مقعداً، بل اختبار لطبيعة منهجنا في تفسير القانون: هل نقدّم صراحة النص أم نغلب مقاصده؟ وهل يكون التصحيح عبر القضاء بالتأويل، أم عبر البرلمان بالتعديل؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل العلاقة بين النص وروحه في تجربتنا الدستورية المقبلة.

د. محمد عاطف عضيبات

رئيس قسم القانون الخاص

كلية الحقوق – جامعة عمان الاهلية



عدد المشاهدات : (4269)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :