ماهر أبو السمن .. مهندس في عقل الدولة


رم - فارس كرامة

ليس كل مهندس يبني حجراً، بعضهم يبني فكرة وبعضهم يبني ثقة، وماهر أبو السمن من أولئك الذين يفهمون أن الطريق ليس إسفلتاً فقط، بل مسار دولة.

وُلد في السلط عام 1957، في بيت يعرف معنى الجدية والانضباط، تربّى في منزل الشيخ حمدي، حيث القيم لا تُختبر بالشعارات بل بالمواقف، هناك تشكّل وعيه المبكر لا مكان للجهوية، الوطن للجميع، والخدمة العامة شرف لا امتياز.

درس الهندسة المعمارية في جامعة بوخارست، وعاد إلى الأردن محمّلاً برؤية هندسية تتجاوز المباني إلى فهم البنية المؤسسية للدولة، بدأ عمله في ديوان المحاسبة رئيساً لقسم متابعة المشاريع، وهناك ترسّخت لديه قناعة أن المال العام ليس بنداً في تقرير، بل أمانة وطن، تعاطى مع الرقابة كحماية للمؤسسة لا كخصومة معها، فكان حازماً دون استعراض، ودقيقاً دون ضجيج.

يدرك أبو السمن بالعمل “على مسافة واحدة من الجميع”، لا يشتبك مع الكاميرا بقدر ما يشتبك مع التفاصيل، لا يبحث عن التصفيق، بل عن إتقان التنفيذ، هذه الفلسفة رافقته عندما تولّى رئاسة بلدية السلط الكبرى، فحوّل البلدية إلى نموذج إداري وتنموي فاعل، وأسهم في تثبيت مدينة السلط على خريطة التراث العالمي لليونسكو، في إنجاز وطني يعكس حرصه على الهوية كما على الخدمات.

لا يؤمن بالجهوية رغم أن للسلط في قلبه حصة كبيرة جداً، بل بفكرة أن الطريق الذي يُعبد في الجنوب هو ذاته الذي يخدم الشمال، وأن العدالة في العطاءات أساس الثقة العامة، يرى الدولة كمنظومة واحدة، لا كجزر منفصلة، ويؤمن أن قوة المؤسسة في نزاهتها وانضباطها.

تنقّل بين مواقع المسؤولية بثبات، وزيراً للشؤون البلدية، ثم وزيراً للمياه والري، ثم وزيراً للنقل، وصولاً إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان في حكومتي بشر الخصاونة وجعفر حسان، في كل موقع، كان حضوره إدارياً بامتياز، قليل الكلام، كثير المتابعة، واضحاً في القرارات.

في وزارة الأشغال، ظهرت بصمته بوضوح، تسريع مشاريع الطرق الاستراتيجية في المحافظات، إعادة تأهيل الشبكات المتضررة، رفع كفاءة إدارة العطاءات، تعزيز معايير الجودة والشفافية، إطلاق خدمات إلكترونية ضمن خطة التحول الرقمي، وجهوزية عالية للتعامل مع الحالات الجوية الطارئة، منهجه يقوم على الانضباط الميداني وتقليل فجوة التنفيذ، حتى في ظل ضغط الموارد والتحديات الاقتصادية.

اختيار مجلة “فوربس الشرق الأوسط” له عام 2025 ضمن أبرز 10 مسؤولين حكوميين يسهمون في رسم ملامح قطاع العقارات في المنطقة لم يكن صدفة، جاء تقديراً لرؤية تجمع بين الخبرة الفنية والإدارة الاستراتيجية، وبين الالتزام بجودة التنفيذ وحماية المستهلك، ودعم السياسات المنظمة للقطاع.

لكن ربما الأهم من المناصب والجوائز هو ما يُقال عنه في الميدان، كثيرون ممن عملوا معه يذكرونه بالخير، ويشيرون إلى نزاهته وحرصه، وإلى إيمانه بأن الدولة أكبر من أي اصطفاف ضيق.

ماهر أبو السمن ليس سياسياً صاخباً، هو إداري يرى أن الإنجاز لا يحتاج إلى ميكروفون بقدر ما يحتاج إلى متابعة يومية صارمة، في زمن ارتفعت فيه النبرة، اختار أن يخفض الصوت ويرفع مستوى الأداء.

هو مهندس لا يبني طرقاً فقط، بل يحاول أن يبني داخل مؤسسات الدولة ثقافة انضباط، وهذا، في دولة تتطلع إلى ترسيخ الكفاءة، إنجازٌ لا يقل أهمية عن أي مشروع على الأرض.



عدد المشاهدات : (4404)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :