رم - خاص
في ذاكرة السلط، حيث تتقاطع الحجارة الصفراء مع الحكايات، ينهض اسم الباشا عبد الله مصطفى باشا الداوود الجزازي بوصفه سيرة لا تختصر في تاريخ، ولا تحصر في منصب، بل تمتد كظل كريم فوق المدينة وأهلها.
ولد عبد الله باشا الداوود عام 1889 في السلط، ونشأ في بيت عرف بالوجاهة التي لا تنفصل عن الواجب، وبالعزة التي لا تكتمل إلا بالعطاء، كان والده مصطفى باشا الداوود من أوائل من أسهموا في نهضة المدينة بعد تحررها من حكم إبراهيم باشا، فشيد بيت العائلة قرب ساحة العين، واحدا من تلك البيوت الحجرية الصفراء التي صارت علامة السلط وذاكرتها البصرية.
كبر عبد الله باشا على معنى الديوان المفتوح، ففتح ديوانه في شمال الساحة، لا ليكون مجلسا للجاه فحسب، بل ملاذا للناس، ومرفأ للغريب، وملتقى للشيوخ والمخاتير والوجهاء، هناك كانت القهوة تصب كل صباح، وتدور الأحاديث في شؤون السياسة والناس والبلد، وتفرد الموائد بلا سؤال، لأن الكرم عنده كان فعلا يوميا لا مناسبة عابرة.
وكان ينظر من شرفة منزله إلى الساحة، فإذا لمح وجها غريبا ناداه باسمه الإنساني قبل اسمه الشخصي، واستقبله بما يليق من ضيافة ومبيت ومساعدة، مؤمنا أن الغريب أمانة، وأن المدينة لا تكتمل إلا حين تتسع لغير أبنائها.
لم يكن ديوانه مكانا للكلام فقط، بل موضعا للحكمة، حتى صار ختام الخصام، فيه تطوى الخلافات وترد القلوب إلى رشدها، لأن عبد الله باشا كان يرى في الصلح رفعة، وفي جمع الناس شرفا لا يقل عن شرف الاسم والمكان.
وعندما غاب في مطلع عام 1960، خرجت السلط والبلقاء في وداعه، لا تشيع جسدا بل تودع زمنا من النبل، أقيمت له مجالس التأبين، واستعيدت مناقبه، وبقي اسمه محفورا في الذاكرة، مسطرا في سجل الرجال الذين مروا من هنا وتركوا المدينة أكثر دفئا، وأكثر إنسانية.
عبد الله مصطفى باشا الداوود لم يكن وجيها عابرا في تاريخ السلط، بل كان جزءا من روحها، واحدا من أولئك الذين إذا ذكروا قيل إن الكرم كان لهم بيت، وإن السلط عرفت بهم معناها الحقيقي.