في حب الملك !


رم -
عماد داود
وحين نقول نحبُّه، فإننا لا نُعلن عاطفة، بل نُصدر حكمًا تاريخيًا مكتمل الأركان.
نقولها كاملة غير منقوصة، بملء الفم والإرادة، لا بضغط اللحظة، وبوعي من يعرف أن الحب الذي لا يُختار لا يحمي دولة، وأن الولاء الذي يُنتزع من الحناجر لا يصنع شرعية، بل يُراكم كراهيةً مؤجَّلة تنتظر أول تصدّع.
نحبّه كما تحبّ الزهرةُ الندى، لا لأنه جميل فقط، بل لأنه ضرورة حياة لا زينة صباح.
وكما تحبّ النغمةُ المدى، لا لأنه بعيد، بل لأنه المساحة التي يكتمل فيها الصوت ويستحق أن يُسمَع.
وكما يحبّ النهرُ ماءه الذي اعتاد عليه؛ لأنه إن خانه، صار مجرّد مجرى يابس في ذاكرة المكان.
نحبّه…
لأننا عشنا زمنًا انكشفت فيه الحقائق عارية، وفهمنا أن الوطن ليس فندقًا، وأن العَلَم ليس قطعة قماش، وأن السيادة ليست نشيدًا؛
بل هي رجل واحد، إذا اختلّ اختلّ الميزان، وإذا ثبت استقام المعنى، وإذا خان خانت الجغرافيا والتاريخ معًا.
ومن هنا تبدأ القصة التي لا تُقال عادة.
في رأس هذا الرجل، أثرٌ لا يُقرأ بوصفه علامة شكلية، بل بوصفه سيرة كاملة.
ذلك الحَزّ الخافت، الذي تركته البُورِيّة يومًا، لم يكن أثر لباس عسكري، بل أثر تشكُّل.
خط تماسٍّ قديم بين عقلٍ صاغته مدرسة القوات الخاصة، تعلّم فيها أن الحركة لا تُقدَّم على الحساب، وأن الاقتراب لا يعني الاندفاع، وأن القرار إمّا أن يكون دقيقًا… أو لا يكون.
هذا الحَزّ لم يغادر رأسه حين غادر الميدان، بل انتقل معه إلى الحكم.
وحين بدأت الحُزوز الإقليمية تُتداول، لا على الخرائط وحدها، بل في الممرات السياسية، وفي تقاطعات المصالح، وفي خطوط العبور والضغط والابتزاز،
كان كل ذلك يعمل بصمت:
لا كاثر، بل كبوصلة.
يعرف أين يتقدّم، وأين يثبت، وأين يكون الامتناع هو الفعل الأعلى.
كلمة “بنحبك” لم تُنتزع من حناجرنا؛
هي الصوت الحر الذي يوقّع على عقد اجتماعي غير مكتوب،
وهي الصيغة الوجدانية لعلاقة سياسية نادرة،
نمدُّ فيها ولاءنا حول القائد، لا كهتافٍ عابر، بل سياجًا من المحبة الواعية؛
ويهتف فيها الشعب “لبيك” لا استدعاءً، بل إدراكًا،
لأن وجهه من ملامحنا،
ولأن القائد، حين يشتد الزمن، لا يُرى في المقدّمة فقط،
بل يُحسّ كفارسٍ يحرس المعنى، وكحارسٍ يعرف أن الفروسية مسؤولية لا صورة.
ولهذا نرفض أن تتحول علاقتنا معه إلى طقس أجوف،
كما حدث عند جارٍ أُجبر شعبه على ترديد الهتاف ذاته، بينما كشفت التسجيلات لاحقًا سخريته من دماء شعبه، واستخفافه بجيشه، ومقايضته السيادة ليبقى الكرسي قائمًا فوق أنقاض المعنى.
هناك، حين دخلت خيانات الليل إلى الغرفة، ووقف خلف الباب يستمع… ويساوم!
أما هنا، فلم يُستعمل الوطن يومًا درعًا لنجاة شخصية؛
بل كان القائد هو من جعل نفسه رهينة لبقائه، وضامنًا لاستمراره.
نحبّه لأننا رأينا كيف تُدار الاستحالة بلا صخب،
وكيف يُروَّض الخطر بالعقل لا بالاستعراض،
وكيف يتحوّل المستحيل، حين يمرّ بعقله، إلى مسارٍ قابل للحياة لا إلى فوضى في الشارع.
الأردن في عهده لم ينجُ لأنه الأقوى، بل لأنه الأوعى؛
ولم يصمد لأنه الأغنى، بل لأنه الأوضح؛
ولم يبقَ لأنه محصَّن، بل لأنه مفهوم من قائده قبل أن يكون مفهومًا من العالم.
نحبّه لأن الجغرافيا عنده ليست لعنة، بل امتحانًا أخلاقيًا دائمًا.
ولأن الندرة لم تكن عارًا، بل مادة لصناعة الكرامة.
ولأن الضيق لم يُنتج هستيريا سياسية، بل أنجب حكمة تمشي على قدمين، وتحفظ الاتزان في إقليم فقد أعصابه.
ونحبّه لأنه أبقى الخيط بينه وبيننا مشدودًا:
لا قيدًا يلتفّ على الأعناق،
ولا واهيًا تلتهمه أول ريح،
بل رابطًا خفيًا مضبوط الشدّ؛
إذا ارتخى تهدّم السقف، وسقط البيت على الجميع.
نحبه..لأن الحكم في قاموسه ليس إدارة أزمة، بل فن منع الانهيار قبل أن يُسمّى انهيارًا.
ولان قراراته ليست ردود فعل، بل أفعال استباقية تعرف أين تضع القدم قبل أن تتحرّك الأرض.
ولأن العدل عنده ليس زينة خطاب، بل نسبٌ هاشميٌّ لا ينقطع.
ولأن الكرامة الإنسانية ليست هامش سياسة، بل أصل الشرعية كلها.
نحبه..لأنه إبن الحسين الباني، وأبو الحسين الأمير الحسين الذي يعتبر
امتدادًا واعيًا لمنهج دولة يُنقل بالفعل لا بالوصية.
حضوره إعداد لا استعجال،
وتكوينه ليس قفزًا فوق التجربة، بل تشبّعًا بها من داخلها.
هنا تُفهم الاستمرارية كعقل دولة، لا كشكل وراثي.
وبمناسبة عيد ميلاده الرابع والستين، لا نقف لنعدّ السنوات، بل لنقرأ المسار:
مسار دولة اختارت العقل حين جنّ الإقليم،
والاتزان حين انفلتت الخرائط،
والصبر الفاعل حين صار الضجيج سياسة.
وجوده على رأس الدولة لم يكن تفصيلاً زمنيًا،
بل وتد الخيمة الذي إذا ثبت استقرّت،
وعمودها الأخلاقي حين يثقل السقف،
وبوصلة المعنى في زمن تاهت فيه الاتجاهات قبل الخرائط.
نحبّه لأنه لم يعدنا بالفردوس،
بل حمانا من الجحيم.
ولأنه لم يبعنا الأوهام،
بل صان قدرتنا على الاستمرار.
وتلك، لمن يفهم التاريخ، أعلى درجات البطولة.
نحبّه…
لا لأننا نحبّ قائدًا،
بل لأننا نحبّ وطنًا لم يخن نفسه.
ونحبّ فكرة الحكم حين تنجو من الابتذال.
ونحبّ المعنى حين يُحرس ولا يُستغل.
نحبّه…
لأننا، حين نلفظ اسمه،
لا نستعير صوتًا،
ولا نؤدّي طقسًا،
بل نوقّع وعيًا جماعيًا يقول:
هنا دولة بقيت،
وهنا فكرة صمدت،
وهنا وطن… لم ينكسر.
هنا… الأردن!



عدد المشاهدات : (4480)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :