رم - عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات يوم الأربعاء 7/1/2026 ندوة بعنوان "المسارات المتوقعة لقضية فلسطين في سنة 2026"، بمشاركة عشرات الخبراء والمتخصصين في الشأن الفلسطيني. وقد قُدّمت في هذه الندوة، التي أدارها مدير مركز الزيتونة أ. د. محسن محمد صالح، تسع أوراق عمل، ناقشت المسارات المستقبلية المتوقَّعة خلال سنة 2026. وشارك مجموعة من الخبراء والمتخصصين في مناقشة أوراق العمل، قبل أن يقوم مقدمو الأوراق في نهاية الندوة بتقديم ردودهم وتوضيحاتهم.
وفيما يلي أبرز التوقعات التي قدّمها الخبراء والمتخصصون في أوراقهم التي قُدّمت في الندوة.
الورقة الأولى للأستاذ عاطف الجولاني: المسارات المتوقعة للوضع الداخلي الفلسطيني
رجّح عاطف الجولاني التوصل خلال عام 2026 إلى توافق فلسطيني جزئي بين السلطة الفلسطينية في رام الله وحركة حماس على تشكيل لجنة إدارية لإدارة قطاع غزة، برعاية عربية وموافقة أمريكية. لكن الجولاني أكد أن هذا التوافق الجزئي لا يعني تقدمًا في مسار المصالحة الوطنية الشاملة، إذ يتوقع استمرار الانقسام واحتكار سلطة رام الله للقرار السياسي، ورفضها إعادة ترتيب البيت الفلسطيني واستيعاب قوى المقاومة على أساس الشراكة الوطنية والاتخابات الحرة النزيهة التي تعكس إرادة الشعب الفلسطيني. وفي ظل هذا الانسداد، رجّح تصاعد دور المبادرات والمؤتمرات الشعبية الفلسطينية كإطار مؤقت للتعبير عن الموقف الوطني المشترك، إلى حين توفر شروط سياسية أكثر ملاءمة.
كما رجّح أن تواصل السلطة مسار التنسيق الأمني مع الاحتلال، وأن تكون أولويتها خلال سنة 2026، تقديم استحقاقات وشروط إعادة تأهيلها وإصلاحها وفق الشروط الأمريكية المطلوبة.
الورقة الثانية لـ د. مهند مصطفى: المسارات المتوقعة للأوضاع والسياسات الإسرائيلية
توقّع مهند مصطفى أن عام 2026 سيكون عامًا معقدًا في "إسرائيل"، وأنّ الانتخابات الإسرائيلية لن تُحدث تغييرًا جوهريًا في سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين، بسبب وجود إجماع عابر للأيديولوجيات في التعامل مع الفلسطينيين.
في قطاع غزة، أكد أن "إسرائيل" لن تنسحب انسحاباً كاملاً منه، وستواصل السيطرة على بعض أجزائه حتى لو تم الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، وهي ترفض بقاء حماس في السلطة وتطالب بنزع سلاحها. وتوقّع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة متفاوتة وبدعم أمريكي، دون حرب شاملة، مع التركيز على عمليات محدودة لا تؤثر على بنية الحكم في القطاع.
أما في الضفة الغربية، ستتعمق سياسات الإستيطان، وتوسيع الطرق، وهدم المنازل، وإضعاف السلطة الفلسطينية. وستستمر "إسرائيل" في تفكيك المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر من خلال التواطؤ مع سياسة الجريمة والعنف، ضمن مسار يهدف إلى تهميش القضية الفلسطينية ومنع أي كينونة سياسية مستقلة.
الورقة الثالثة للأستاذ زياد ابحيص: المسارات المتوقعة لمستقبل الأقصى والقدس والضفة الغربية
توقّع زياد ابحيص أن يشهد عام 2026 تصعيدًا إضافيًا، عبر تعميق حضور الهوية اليهودية في المسجد الأقصى من خلال تمديد ساعات الاقتحام، ومحاولة اقتطاع جزء من الأقصى، وفرض طقس القربان الحيواني.
ورأى ابحيص أن الكيان الإسرائيلي يعُدّ المسجد الإبراهيمي نموذجًا لتطبيق سياسة نفي الهوية الإسلامية ويسعى لمحاكاة هذا النموذج في تهويد المسجد الأقصى. فيما يشهد الوجود المسيحي الفلسطيني تراجعًا كبيراً، بسبب استمرار حالة التجفيف للحضور المسيحي وتحويله إلى حضور زائر.
في القدس، يبرز الوجود والصمود السكاني الفلسطيني القوي كأزمة بنيوية للاحتلال، ما يدفعه لتكثيف سياسات التهجير والهدم، خاصة في الشيخ جراح وسلوان، مع توسيع حدود "القدس الكبرى". كما تشهد الضفة الغربية ضمًا فعليًا عبر الحواجز، والاستيطان، والجدار، انتظارًا لإعلانه رسميًا.
الورقة الرابعة للأستاذ معين الطاهر: المسارات المتوقعة للمقاومة الفلسطينية
رأى معين الطاهر أن المعركة العسكرية الأخيرة قد توقفت، إلا أن الحرب بأشكالها المختلفة لم تنته، ما يجعل الحسم النهائي لنتائجها أمرًا مبكرًا. ويشير إلى أن الانقسام السياسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية سينعكس على اختلاف التكتيكات وأساليب المقاومة في المرحلة المقبلة.
وأشار الطاهر إلى أن المقاومة كفكرة تتجدد وتتغير أدواتها، متوقعًا تحولات تكتيكية في 2026، واستمرار الضغط العسكري والسياسي على غزة، مع محاولات ابتزاز المقاومة مقابل تسهيلات إنسانية وسياسية، وربما اعتماد نماذج شبيهة بالنموذج الإيرلندي. أما في الضفة الغربية، فتوقّع تصاعد المقاومة بأشكال متعددة، من العمليات الفردية إلى الخلايا السرية، ضمن استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين المقاومة المسلحة، والصمود الشعبي، والعمل السياسي والمدني.
الورقة الخامسة للأستاذ هاني المصري: المسارات المتوقعة لخطة ترامب والتسوية السلمية
توقّع هاني المصري أن لا يشهد عام 2026 أي تسوية سياسية أو إحياء لمسار حل، بل استمرار الصراع المفتوح. وقال أن الحكومة الإسرائيلية ترى أنها أمام فرصة تاريخية لحسم الصراع عبر الضم، وتوسيع الاستيطان، وتعميق نظام الفصل العنصري، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان وظيفي محدود، مع استمرار الحرب بأشكال عدوانية مختلفة رغم فشلها في تحقيق "النصر المطلق".
وأشار إلى أن الدور الأمريكي، خاصة إدارة ترامب، لم يشكل رافعة للتسوية، وأن الوسطاء الدوليين فشلوا في إطلاق مسار سياسي جدي. وخلص إلى أن غياب رؤية وطنية فلسطينية موحدة واستمرار الانقسام زاد المخاطر، بينما تكمن الفرصة في الوحدة أو إدارة الانقسام لتقليل أضراره.
الورقة السادسة للأستاذ سامح سنجر: المسارات العربية المتوقعة تجاه قضية فلسطين
توقّع سامح سنجر أن الجهد العربي الرسمي سيركّز في عام 2026 على إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية لتمكينها من العودة إلى حكم قطاع غزة، بدعم سياسي ومالي من دول الخليج، ودعم أمني من مصر والأردن عبر تدريب قوات الشرطة، مع محاولات إماراتية لإعادة بعض قيادات فتح المفصولة، وعلى رأسهم محمد دحلان، ضمن ترتيبات مستقبلية.
وأكد أن الدول العربية، خصوصًا مصر وقطر والأردن، ستدفع باتجاه تنفيذ الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، والإسراع في عملية إعادة الإعمار الشامل دون ربط ذلك بنزع سلاح المقاومة، مع التشديد على منع أي سيناريو للتهجير، والتأكيد على فتح المعابر بالاتجاهين. وفي المقابل، ستستمر "إسرائيل" في السعي لحصر دور السلطة في الجوانب الأمنية والخدماتية فقط. وتوقّع سنجر تضييقًا أكبر على فصائل المقاومة في المجال العربي.
الورقة السابعة لـ أ. د. وليد عبد الحي: المسارات الدولية المتوقعة تجاه قضية فلسطين
تناول وليد عبد الحي البعد الدولي للقضية الفلسطينية من خلال تحليل مجموعة من الأزمات والمؤشرات العالمية المؤثرة، معتمدًا على منهجية تحليل تراكمي شملت 27 مؤشرًا دوليًا. وأشار إلى أن الأزمات الدولية الكبرى، مثل تصاعد التوتر في أمريكا اللاتينية مع إحياء مبدأ مونرو، واحتمالات التصعيد حول تايوان، واستمرار عدم الاستقرار في دول الساحل الإفريقي، إضافة إلى كون المنطقة العربية الأكثر هشاشة سياسيًا عالميًا، ستؤثر بصورة غير مباشرة على القضية الفلسطينية عبر تشتيت الاهتمام الدولي وزيادة أولويات الصراعات الأخرى.
كما لفت النظر إلى بروز مظاهر دولية عامة سيكون لها انعكاسات على قضية فلسطين، أبرزها الارتفاع المستمر في الإنفاق العسكري عالميًا، وتزايد احتمالات الصدامات الكبرى، والتنافس على الموارد النادرة. ورجّح أن تؤدي الأعباء الاقتصادية العالمية إلى إبطاء مشاريع إعادة إعمار غزة، وربما توظيف ذلك لتشجيع الهجرة.
وأكد أنه هناك عوامل وأحداث قد تعيد تشكيل البيئة الإقليمية وبالتالي ستكون لها ارتدادات كبيرة. وأوضح أنه بالرغم من تحسن الرأي العام العالمي نسبيًا تجاه فلسطين، إلا أن أثره لا يظهر مباشرة. وخلص إلى أن نتائج التحليل الكمي، من خلال عملية "الكروس إمباكت هاي ماتريكس"، تشير إلى أن 53% من المؤشرات تصب حاليًا في مصلحة "إسرائيل"، مقابل 37% لصالح فلسطين، مع بقاء 10% مرتبط بتطورات سياسية قادمة.
الورقة الثامنة لـ أ. د. طلال عتريسي: المسارات الإيرانية المتوقعة تجاه قضية فلسطين
توقّع طلال عتريسي أن يبقى الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية ثابتاً خلال عام 2026، قائمًا على دعم فلسطين ومشروعية المقاومة.
وأشار عتريسي إلى أن إيران تواجه وضعاً داخلياً متوتراً، مع تزايد التهديدات بعد الحرب الإسرائيلية-الأمريكية، ما يدفعها للتركيز على تعزيز قدراتها الدفاعية. وفي الوقت نفسه، تتعرض لضغوط إقليمية ودولية تهدف لإضعافها وعزلها وإضعاف حلفائها عبر مشاريع نزع سلاح المقاومة، تمهيدًا لإرساء منظومة إقليمية تقوم على التطبيع وإقصاء قوى المقاومة. وبالتالي، إيران ستكون أمام معادلة معقدة ومركبة، لحماية وضعها الداخلي من جهة، والرغبة في المفاوضات لدفع الحرب عنها، واستعداد للدفاع والحرب وتطوير قدراتها، وتأييد التيارات المقاومة، مع السعي لتوسيع علاقاتها الإقليمية، وبناء قنوات ثقة مع دول عربية.
الورقة التاسعة لـ د. سعيد الحاج: المسارات التركية المتوقعة تجاه قضية فلسطين
أشار سعيد الحاج إلى أن الدور التركي في القضية الفلسطينية عام 2026 سيكون استمرارًا لتطورات السنوات الأخيرة، حيث تحوّل من دعم سياسي ومساعدات إلى المشاركة الفعلية كإحدى الدول الضامنة في مفاوضات وقف الحرب وإعادة الإعمار في غزة. وتوقّع استقرار العلاقة مع حركة حماس دون تغييرات كبيرة، مع حرص تركي على التواصل مع قيادات الحركة بما يتوافق مع الرغبة الأمريكية في تعزيز دور تركيا كوسيط لإقناع حماس بالحلول السياسية وخطط ترامب.
أما العلاقة مع "إسرائيل"، فيُبرز الحاج تصاعد التوتر إلى مواجهة غير مباشرة، مع استعدادات لاحتمال مواجهة عسكرية مستقبلية قد تكون سورية مسرحها، ورأى أن تشجيع أنقرة للمفاوضات السورية الإسرائيلية هو محاولة لنزع فتيل الاشتعال. وأوضح أن تركيا تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية الداخلية وتجنب الاشتباك المباشر، مع الانفتاح على التعاون مع الإدارة الأمريكية في قضايا غزة.
وبعد طرح المتحدثين لأوراقهم قام 18 مشاركاً بطرح إضافاتهم وملاحظاتهم واستفساراتهم، ثمّ أتيح المجال في النهاية للمتحدثين لإعطاء تعقيباتهم؛ قبل أن تُختتم الجلسة التي تميّزت بثرائها العلمي والمنهجي وبتركيزها على الرؤى المستقبلية، وبحيويتها والتفاعل القوي من المشاركين معها على مدى ساعتين ونص الساعة من النقاش البنّاء.