ماذا سوف يولد من المخاض الذي يمر به الشرق الأوسط؟


رم - الكاتبة : كريستين حنا خليل نصر

يُعدّ الشرق الأوسط مركز الحضارات ومهدها، والأرض التي انطلقت منها أولى الشرائع، وتأسست على ترابها الدول والحضارات والمدن، وفيها كُتبت أولى الحروف، ونشأت حضارات امتد نورها إلى مختلف أنحاء العالم، وأسهمت على مدى قرون طويلة في إثراء المعرفة الإنسانية بالعلم والفكر والاكتشافات، وفي ترسيخ معالم التمدّن والتحضّر. لكن، وللأسف، تبدّلت ملامح التاريخ، وانقلب حال هذا المركز الحضاري من ماضٍ زاخر بالعلم والفكر إلى واقع مثقل بالصراعات العرقية والدينية، والحروب الأهلية والنزاعات المذهبية، التي اتسعت معها فجوات الانقسام المجتمعي والعرفي والمذهبي والعسكري. وما تزال تداعيات هذه الانقسامات مستمرة حتى اليوم، من دون أن تخمد نيرانها أو تتوقف صراعاتها في العديد من بلدان الشرق الأوسط.

وتتميز بلدان الشرق الأوسط بتضاريسها المتنوعة وبحارها وموقعها الجغرافي الفريد، الذي يتداخل مع عراقة حضاراتها القديمة، فضلًا عن ثرواتها الطبيعية المتعددة، وفي مقدمتها النفط ومصادر الطاقة، إلى جانب المعادن، كالفوسفات والذهب والنحاس وغيرها. وفي المقابل، تعاني شعوب المنطقة أزمات معقدة تتشابك فيها الحروب والاضطرابات وأزمات الهوية التي لم تُحسم بعد، فضلًا عن صراعات وصلت إلى حدّ الفيضان، وأخذت تنخر في دول الشرق العربي تحديدًا، وتهدد استقرارها ومستقبلها.

منذ سقوط حكم صدام حسين، الذي ارتبط بالنظام السني، وصعود تنظيم «داعش»، يعيش العراق، أحد أهم مراكز الحضارات القديمة وموطن حضارة بلاد ما بين النهرين، حالة من الاضطراب والإرهاب، رغم ما يمتلكه من تاريخ عريق في أنظمة الحكم وقوة الجيش. وقد دخل العراق، للأسف، نفقًا مظلمًا من الإرهاب، استهدف المسيحيين في مدينة الموصل، حيث قُتل عدد منهم وهُجّر آخرون من منازلهم، وهم أبناء حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة، من السريان والآشوريين والكلدان، الذين ارتبط وجودهم بهذه الأرض منذ مئات السنين.

لقد دمّر الإرهاب المدن، وأوقع خسائر فادحة في صفوف السكان، وفجّر معابدهم الدينية، من كنائس ومساجد، وسعى إلى تفكيك المجتمع العراقي الواحد، بما يضمّه من مكونات سنية وشيعية، الأمر الذي عمّق الهوة والشرخ بين أبناء الوطن الواحد، وأضعف النسيج الاجتماعي الذي شكّل على مدى عقود أساس التعايش والاستقرار.

ومع استمرار موجات الربيع العربي في الشرق الأوسط، امتدت الاضطرابات إلى سوريا، حيث تحولت الثورة إلى صراع عسكري، وتفشى الإرهاب، وتعمقت الحروب بفعل التدخلات الخارجية على الأراضي السورية، خلال حكم البعث الذي مثّله نظام بشار الأسد السابق. وقد شهدت البلاد تحالفات إقليمية، أبرزها تحالف النظام مع إيران وحزب الله اللبناني، إلى جانب التدخل العسكري التركي وسيطرة تركيا على مناطق في الشمال السوري، منها عفرين وجرابلس والباب، حيث ما تزال مناطق سورية خاضعة للسيطرة التركية حتى اليوم.

وقد أسهمت هذه التدخلات في تعقيد المشهد السوري، وتفاقم الصراعات والانقسامات في المنطقة، بالتوازي مع ظهور ميليشيات متعددة في بلدان الشرق العربي، بعضها موالٍ لإيران ومدعوم منها، كما هو الحال في اليمن والعراق ولبنان، وسوريا سابقًا.

ومع اندلاع حرب طوفان الأقصى بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة، برز مفهوم «وحدة الساحات»، الذي جمع إيران والميليشيات المرتبطة بها في عدد من الدول العربية تحت عنوان نصرة غزة. غير أن المشهد تطور لاحقًا، لتتحول هذه المنظومة إلى مصدر تصعيد إقليمي، مع استهداف دول الخليج ومنشآت حيوية ونفطية ومطارات مدنية، تحت ذريعة ضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

وما تزال هذه الحرب وتداعياتها مستمرة، وقد امتدت إلى استهداف المملكة العربية السعودية، في وقت تشهد فيه اليمن حربًا متواصلة بين جماعة الحوثي والشرعية اليمنية، في مشهد لا ينفصل عن واقع العراق والميليشيات الموالية لإيران، التي استهدفت دولًا ومناطق عدة، من بينها المملكة الأردنية الهاشمية وإقليم كردستان العراق.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز توجه رئيس الوزراء العراقي الحالي علي فالح الزيدي نحو حصر السلاح بيد الدولة، وهو المسار الذي يسعى إليه أيضًا الرئيس اللبناني جوزيف عون، بهدف إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة والجيش، وإعادة الاعتبار إلى سلطة القانون وسيادة المؤسسات الوطنية.

يتردد كثيرًا في الخطاب السياسي والاجتماعي مصطلح الوحدة الوطنية، باعتباره الركيزة الأساسية التي تجمع مكونات المجتمع في بلدان الشرق الأوسط. لكن هذه الوحدة، للأسف، تعرضت لنخر عميق بفعل التطرف والإرهاب والتفجيرات التي استهدفت المعابد الدينية، من كنائس ومساجد، والعمليات الإرهابية التي تسعى إلى تفكيك المجتمعات وضرب أسس التعايش بين أبنائها.

وبات واضحًا أن هناك مساعي متواصلة لتفكيك الوحدة الوطنية في المجتمعات وبلدان الشرق العربي تحديدًا، في ظل أزمة حقيقية في فهم الهوية الوطنية الجامعة وترسيخها. فعدم احترام الآخر المختلف في الدين أو العرق أو الثقافة أو الفكر يؤدي حتمًا إلى تمزيق النسيج الوطني وتفكيك الهوية الجامعة، ويجعل المجتمعات أكثر هشاشة أمام مشاريع التطرف والانقسام.

وقد زاد الوضع الاقتصادي المتردي في عدد من بلدان الشرق العربي من تعقيد هذه الأزمة، وأتاح المجال أمام تفاقم التطرف والإرهاب. ويبدو أن ثورات الربيع العربي، التي رفعت شعارات الحرية والكرامة وأسقطت أنظمة ديكتاتورية، لم تجلب إلى شعوب المنطقة، في كثير من الحالات، سوى خريف دموي تتخلله الحروب والاضطرابات، وتنتشر فيه التنظيمات المتطرفة التي تسعى إلى نشر الإرهاب والدمار.

إن الفكر المتطرف، القائم على رفض الآخر المختلف في الدين أو العرق، وعدم احترام التنوع داخل المجتمع الواحد، يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الشرق الأوسط اليوم. فقد تحوّل هذا الجزء من العالم إلى فسيفساء مثقلة بالصراعات، بعدما كان مهدًا لأعرق الحضارات القديمة، التي تميزت بغناها الثقافي والإنساني، وبأنظمتها السياسية المتعددة، كما في العهد الأموي وحضارة بلاد ما بين النهرين.

إن ما كان يومًا عنصرًا من عناصر الحضارة والتنوع والتعددية في بلدان الشرق الأوسط، تحوّل بفعل التطرف والإرهاب إلى مصدر تهديد وتمزيق للمجتمعات. فقد نشأت تنظيمات مسلحة متطرفة تكفّر كل من لا يتبع فكرها أو عقيدتها، وتمارس الإرهاب بحق شعوب المنطقة، في انتهاك صارخ لحرمة الإنسان الذي كرّمه الله، ولحقه في الحياة والأمان والسلام.

إن هذه التنظيمات لا تحترم الإنسان الذي خلقه الله على هذه الأرض، وتستبيح قتله، رغم أن حرمة الدماء ثابتة في جميع الأديان السماوية، التي تدعو إلى المحبة والتسامح والسلام. كما تسعى هذه الجماعات إلى ضرب الوحدة الوطنية، واستغلال التاريخ الحضاري ونظام الخلافة لفرض سيطرتها على بلدان الشرق الأوسط، وإعادتها إلى عصور الظلام والتخلف.

وهنا يبرز السؤال: هل سينجح التطرف والإرهاب في نشر أفكارهما وتفكيك مجتمعاتنا؟ وهل سنشهد مجددًا تفجير المعابد الدينية، من كنائس ومساجد، وعودة مشاهد الترويع التي عاشها العراق وسوريا في مراحل سابقة؟

إن من يمارس هذه الأعمال الإرهابية والمتطرفة، في جوهره، يفتقر إلى الوعي والفكر والمبادئ الإنسانية، ويستهدف أشخاصًا هم في كثير من الأحيان من خيرة أبناء المجتمع، من أطباء ومهندسين وأساتذة، ممن يسهمون في بناء أوطانهم ورفع شأنها وتطويرها.

وقد شهدت قرية حمود في مدينة الكرك الأردنية، وغيرها من الأحداث التي استهدفت دور العبادة، نماذج مؤلمة لهذا الخطر، إلى جانب تفجير كنيسة جرمانا في مدينة دمشق.

وتشير المؤشرات المرتبطة بالعمليات التي شهدتها مدينتا الكرك وعمان مؤخرًا إلى خطورة الإرهاب وتداعياته، في وقت يُعرف فيه المجتمع الأردني بتعايشه ومدنيته، تحت حكم الأشراف الهاشميين في المملكة الأردنية الهاشمية، التي تتميز بنظام حكم يوصف بالاعتدال والوسطية، ويسعى إلى جمع مختلف المكونات العرقية والدينية تحت مظلة القانون، وترسيخ التعددية داخل المجتمع الواحد.

لكن الإرهاب يسعى اليوم إلى ضرب هذه الوحدة الوطنية القوية، وقد بدا ذلك واضحًا في قرية حمود بالكرك، حيث يستهدف هذا النوع من الأعمال نموذجًا تاريخيًا من التماسك والتعايش بين القرى المسيحية والمسلمة في المدينة، التي عاشت باحترام وسلام على مدى عقود طويلة، ضمن نسيج عشائري عربي موحد.

إن الحفاظ على الأوطان والتمسك بالوحدة الوطنية بات ضرورة ملحّة، تفرضها دروس الماضي وتجارب الإرهاب الذي دمّر العديد من بلدان الشرق الأوسط، وأضعف مجتمعاتها وأصاب هويتها الجامعة في الصميم.

هل يمر الشرق الأوسط اليوم بمخاض هذه الاضطرابات والحروب ليولد من جديد، وينتقل إلى مرحلة من التطور والسلام والانتعاش الفكري والاقتصادي، ويستعيد قوته من خلال وحدة وطنية تجمع شعوبه ومكوناته المختلفة؟

أم أن مستقبله سيظل ملطخًا بالحروب والفوضى، وتفاقم التطرف الذي تحول إلى إرهاب يطال مختلف مكونات المجتمع الواحد، في ظل الانقسام والتشرذم، بدلًا من توحيد الجهود لبناء أوطان ودول ومجتمعات قوية ومتطورة؟

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط لا يكمن فقط في تجاوز الحروب والصراعات، بل في إعادة بناء الإنسان والمجتمع، وترسيخ مفهوم المواطنة والهوية الوطنية الجامعة، واحترام التعددية الدينية والعرقية والثقافية، وإعلاء شأن العلم والفكر والاقتصاد، بما يتيح لشعوب المنطقة فرصة اللحاق بركب الدول المتقدمة سياسيًا وعلميًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

فهل يستطيع الشرق الأوسط أن يخرج من هذا المخاض العسير إلى مرحلة جديدة من السلام والاستقرار، تكون فيها قوة التنوع والتعدد مصدرًا للنهضة والبناء، لا وقودًا للحروب والانقسامات؟ وهل سيتمكن أبناؤه من تجاوز أخطاء الماضي، وصناعة مستقبل يليق بتاريخ هذه الأرض التي كانت يومًا مهد الحضارات ومنارة العلم والفكر للعالم أجمع؟



عدد المشاهدات : (5006)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :