رم - صالح الراشد
حين يقود أعمى مجموعة من العميان فإن النهاية متوقعة مسبقاً حيث سيسقط الجميع في حفرة، وهذا حال الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة حين سمح لأعمى يدُعى ترامب بقيادة الحزب معتقداً أنه يسير بهم نحو التحكم في مراكز القرار، ورفض ترامب مشاهدة الصورة الكبرى التي شاهدها الجميع بوضوح المتمثلة بسقوط متوقع لترامب وحزبه، لاعتقاد ترامب أنه العبقري الأوحد والأكثر فهماً وعلماً في شتى المواضيع، ليسقط في الانتخابات النصفية بطريقة لم يتوقعها أشد المتشائمين من الجمهوريين والمتفائلين من الديموقراطيين، لتكون الخسارة رسالة من الشعب الأمريكي تعبر عن رفض واضح لنهج ترامب وسياسته التي أضرت بالمواطنين، وكان ذلك تصويتاً علنياً على عدم رغبة الشعب الأمريكي لوجوده في منصبه.
وفي الانتخابات الأمريكية قبل عامين امتلك الجمهوريون أغلبية مجلس النواب ب220 مقعداً مقابل 215 للديموقراطيين، لعدم قناعة الشعب الأمريكي بمرشحة الحزب الديموقراطي كامالا هاريس، لكن وبسبب فشل ترامب في إدارة الدولة بطريقة تخدم المجتمع الأمريكي تغير الحال وفاز الديموقراطيون ب 239 مقعداً مقابل 147 للنواب وب 54 صوت في مجلس الشيوخ للحزب الديموقراطي مقابل 44 للجمهوري، وهو فارق مرعب بالنسبة لترامب الذي قد يواجه العزل والطرد من البيت الأبيض كأسوأ الحلول أو الانصياع للقرار الديموقراطي والتحول لدمية في أفضل الحلول.
وبدأ الخوف ينتاب خبراء السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة من دخول البلاد في مرحلة الجمود السياسي لمدة عامين، إذ أصبح ممكناً أن تدخل الولايات المتحدة في حالة شلل سياسي أو تشريعي بعد الانتخابات النصفية التي ساهمت في وجود معارضة كبيرة للرئيس في الكونغرس، وهو ما يشير إلى تعثر محتمل لإقرار الموازنة والتمويل إذا لم يقدم ترامب المصلحة الأمريكية الداخلية على السياسات الخارجية، لذا هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة بداية بشلل تشريعي في حال اختلاف البيت الأبيض مع الكونغرس، وهو ما قد يوصل لمرحلة الإغلاق الحكومي في حال فشل الطرفان في الاتفاق على تمويل الحكومة، وصولاً للسيناريو الثالث المتمثل بمواجهة دستورية وسياسية في حال استخدم ترامب الفيتو الرئاسي، وواجه الكونغرس قراراته بالتشريع والتحقيقات.
وقد تدخل الولايات المتحدة مرحلة من الجمود السياسي الشديد خلال العامين الأخيرين من رئاسة ترامب، لكن ذلك لا يعني انهيار مؤسسات الدولة أو توقف الاقتصاد، مما قد يقود الكونغرس لإقالة الرئيس، فيما يعتبر ترامب احتمال التفاهم قائماً في الملفات التي لا يستطيع الطرفان تجاوزها، وقد تتصاعد المواجهة كون الديموقراطيون يسيطرون على خمسة مسارات، تتقدمها القدرة على إدارة لجان الكونغرس وفتح تحقيقات في قرارات الإدارة وعقودها وسياساتها،
وعرقلة التشريعات حيث لن يستطيع ترامب تمرير مشروعاته بسهولة، خصوصاً القوانين المتعلقة بالضرائب والإنفاق والهجرة، وستصبح التعيينات تحت سيطرة الديمقراطيين، مما يمنحهم نفوذاً كبيراً في الموافقة على قبول أو رفض التعيينات الوزارية والقضائية التي يقترحها الرئيس.
ويبقى بيد ترامب سلاح وحيد قادر على حمايته بعد خسارة حزبه للأغلبية، وهو حق الاعتراض الرئاسي (الفيتو) على القوانين، حيث يمنحه صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، إضافة لقدرته على إصدار أوامر رئاسية ضمن حدود القانون، وقد يحاول الحصول على مساحة للتفاوض مع أعضاء جمهوريين وديمقراطيين لتمرير بعض القوانين،
ولا يمثل الفيتو قوة مطلقة إذ يمكن تجاوزه بأغلبية الثلثين في المجلسين، وهي أغلبية مرتفعة يصعب تحقيقها، ويرجح الكثيرون قرار عزل الرئيس كاحتمال سياسي قائم، لكنه يحتاج إلى حصول مجلس النواب على أغلبية بسيطة في توجيه اتهام العزل، فيما يحتاج مجلس الشيوخ إلى أغلبية ثلثي الموجودين لإدانة الرئيس وعزله.
وتترقب دول العالم انعكاس نتائج الانتخابات وقدرة ترامب على تنفيذ التزاماته واتفاقاته واستمرارية بعض السياسات مع الدول الحليفة، ويتوقع الاقتصاديون أن تتأثر الأسواق بالمواجهات المتعلقة بالموازنة والدين والتعريفات الجمركية، كما تترقب تعامل الولايات المتحدة مع ملفات إيران والشرق الأوسط وأوكرانيا وأي قرار مهما كان سيترك أثراً وبالذات في حال مخالفته لنهج ترامب، وتحديداً في قضية فتح مضيق هرمز لتخفيف عبء الطاقة عن الدول الأوروبية وشرق آسيا، والولايات المتحدة التي تعاني من ارتفاع شامل في الأسعار وهو ما تسبب في تراجع المشاريع الإنشائية في شتى الولايات، ولدى ترامب أربعين يوماً يفعل خلالها ما يُريد، فهل يعلن الحرب الشاملة على إيران أم يفكر بطريقة تخدم مصالحه بتنفيذ رغبات أعضاء الحزب الديموقراطي كهدية للتعايش لعامين قادمين.
آخر الكلام:
قد لا تكون المشكلة في قدرة ترامب على إكمال ولايته، بل في قدرة النظام السياسي الأمريكي على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى أزمة مؤسساتية ممتدة، ودون أن ينعكس ذلك سلباً على علاقات الولايات المتحدة الخارجية. فهل انتهى عصر ترامب السياسي، أم أن الرجل الذي قاد حزبه إلى خسارة الكونغرس سيجد طريقاً جديداً لاستعادة نفوذه؟.