رم - الدكتور نسيم أبو خضير
حين تمتدُّ يدُ الغدر إلى مَن يقفُ حارساً للأمن ، وحين يتحوّل الحقدُ الأعمى إلى خنجر أو رصاصةٍ تستهدفُ الحياةَ والأمان ، فليس أمامنا إلا أن نقولها بملء الصوت ، وبكل ما في القلب من غضبٍ ووجعٍ وكرامة : شُلَّتْ يداكَ !
شُلَّتْ يداكَ حين إمتدَّتَا لتغتالا إنساناً لم يحمل سلاحاً في وجه الحياة ، بل وقف حارساً لأمن وطنه ، مؤتمناً على سلامة أهله وضيوفه ، يؤدي واجبه بشرفٍ ومسؤولية ، ويحمي الأرض التي نعيش عليها ، والسماء التي نستظل بها ، والأمن الذي ننعم بظلاله .
شُلَّتْ يداكَ ، ماذا جنيتَ من فعلتك الخسيسة ؟ ! أيُّ مجدٍ حققتَ ؟ وأيُّ بطولةٍ توهَّمتَ أنك صنعت ؟! هل ظننتَ أن رصاصة الغدر ستمنحك شرفاً ، أو أن دماء الأبرياء ستكتب لك تاريخاً ؟! ما جنيتَ سوى الخِسَّة والعار ، وما صنعتَ سوى أن كشفتَ عن وجهٍ قبيحٍ تسكنه الكراهية ، وتحكمه الضغينة ، ويقوده عقلٌ غارقٌ في الظلام .
أيُّ حقدٍ هذا الذي يسكن قلوبكم ؟! وأيُّ ضغينةٍ هذه التي تأكل أرواحكم حتى لم تعودوا تطيقون رؤية إنسانٍ آمِن ، أو وطناً مستقراً ، أو مجتمعاً يعيش بالمحبة والطمأنينة ؟!
حرامٌ عليكم ما تأكلون وتشربون ، وحرامٌ عليكم الهواء الذي تستنشقون ، إذا كانت هذه النعم لا توقظ في نفوسكم ضميراً ، ولا تحرّك في قلوبكم رحمة ، ولا تردعكم عن سفك الدماء وإيذاء الآمنين .
إنَّ الوطن ليس ساحةً لتصفية الأحقاد ، وليس أرضاً مباحةً لنزوات المجرمين ، وليس أمنُ الناس وطمأنينتهم أمراً قابلاً للمساومة أو العبث . الوطن بيتٌ كبيرٌ يجمع أبناءه ، على إختلاف أصولهم وأديانهم وأفكارهم ، تحت راية القانون والكرامة والإنتماء .
إن الإرهاب ليس رأياً يُناقَش ، ولا بطولةً تُستعرض ، ولا موقفاً يُبرَّر ، بل هو جريمةٌ في حق الإنسانية ، وإعتداءٌ على حق الإنسان في الحياة ، ومحاولةٌ بائسةٌ لزرع الخوف والرعب في قلوب الآمنين . إنَّ من يقتل إنساناً بريئاً ، أو يروّع ضيفاً ، أو يستهدف حارساً يؤدي واجبه ، إنما يعتدي على الوطن بأسره ، ويطعن في ضمير المجتمع وقيمه وأخلاقه .
وأيُّ دينٍ هذا الذي تتوهمون أنكم تنتصرون له بالقتل ؟! وأيُّ شريعةٍ هذه التي تزعمون أنكم تطبّقونها بسفك الدماء ؟! إنَّ الإسلام الذي نعرفه دينُ رحمةٍ وعدلٍ وحرمةٍ للدماء ، لا دينُ قتلٍ وترويعٍ وتكفير .
وقد قال الله تعالى :
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
فأيُّ جريمةٍ أعظم من أن تتحوّل يدُ الإنسان إلى أداةٍ لقتل الإنسان ؟! وأيُّ إنحطاطٍ أخلاقيٍّ وفكريٍّ أكبر من أن يصبح الترويع والدمار وسيلةً للتعبير عن الحقد والرفض ؟!
إنَّ الأردنَّ الذي نعرفه ، وطنُ العزيمة والكرامة ، لن تهزّه خنجر أو رصاصةُ غدر ، ولن تنال منه يدُ إرهاب ، ولن تسمح له أصواتُ الكراهية أن يفقد بوصلته الوطنية . فهذا الوطن لم يكن يوماً أرضاً للخوف ، بل كان وسيبقى أرضاً للأمن والتسامح والتآخي ، وواحةً للسلام والإستقرار .
إنَّ الوقوف إلى جانب أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة ورجال أمننا واجبٌ وطنيٌّ وأخلاقيٌّ ، فهم العيون الساهرة التي تحرس حدود الوطن وبيوته وشوارعه ، وهم الذين يضعون أرواحهم على أكفّهم ليبقى الأردنيون وضيوف الأردن آمنين مطمئنين . ودماءُ من يؤدّون واجبهم ليست خبراً عابراً ، بل أمانةٌ في أعناقنا ، وجرحٌ في وجدان كل أردنيٍّ شريف .
ومن هنا ، فإنَّ مسؤوليتنا جميعاً أن نقف صفاً واحداً خلف قيادتنا الهاشمية ، وأن نلتف حول مؤسسات دولتنا وأجهزتنا الأمنية ، وأن نرفض كل أشكال التطرف والتكفير والتحريض ، وألا نسمح للشائعات وأبواق الفتنة أن تعبث بوحدتنا الوطنية أو تنال من ثقتنا بدولتنا .
حمى الله الأردن ، أرضاً وقيادةً وشعباً .
واحفظ اللهم جيشنا العربي المصطفوي ، وأجهزتنا الأمنية ، ورجال الأمن العام ، وأحرسهم بعينك التي لا تنام ، وردّهم إلى أهلهم سالمين غانمين .
اللهم إرحم من فقدنا ، وإشفِ المصابين ، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان ، واجعل دماء الأبرياء لعنةً على كل يدٍ إمتدت ّت إلى قتلهم أو ترويعهم .
اللهم إجعل هذا البلد آمناً مطمئناً ، سخاءً رخاءً ، وسائر بلاد المسلمين ، وأدم على شعبنا الأردني نعمة الأمن والإستقرار والوحدة والمحبة .
وفي الختام ، نقول لكل يدٍ غادرة ، ولكل عقلٍ ظلامي ، ولكل قلبٍ امتلأ حقداً وكراهية : « شُلَّتْ يداكَ »، وخابت مساعيك ، وسقطت أوهامك ، فلن تنتصر رصاصةٌ أوخنجر على وطن ، ولن يهزم الإرهاب شعباً آمَنَ أن الأردن يستحق الحياة والكرامة والأمان .
عاش الأردن عزيزاً منيعاً ، وعاش شعبه متماسكاً ، وعاش قائده وولي عهده رمزاً للعزّة والكرامة .
نسأل الله الشفاء العاجل للفارس المصاب .
وأنت ياجواد رحمك الله وأدخلك الله جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
وألهمنا وأهلك وأسرتك وعشيرتك والأردنيين جميعا الصبر والسلوان .
« إنا لله وإنا إليه راجعون »