حين يتحول الجهل إلى ظلام ، ويصبح التطرف تهديداً للوطن والإنسان


رم - الدكتور نسيم أبو خضير
الفكر الظلامي والتكفيري ليس مجرد إنحراف في الرأي أو إختلاف في وجهات النظر ، بل هو أزمة فكر ووعي وإنتماء ، وخطر يهدد الإنسان والمجتمع والدولة ، حين يُستبدل العقل بالتعصب ، والحوار بالكراهية ، والرحمة بالعنف ، والحياة بالموت والدمار .
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس إختلاف أبنائها في الفكر أو المعتقد أو الرأي ، وإنما ظهور عقول مغلقة لا تقبل الإختلاف ، ولا تؤمن بالتعدد ، ولا ترى في الآخرين شركاء لها في الوطن والإنسانية ، بل تنظر إليهم بعين الشك والعداء ، وتوزع عليهم أحكام التخوين والتكفير ، وكأنها تمتلك وحدها مفاتيح الحقيقة ، وحق الحكم على إيمان الناس ومصائرهم .
إن الفكر التكفيري وليد الجهل وسوء الفهم والإنغلاق ، حين يُنتزع الدين من مقاصده العظيمة ، ويُفرغ من قيم الرحمة والعدل والتسامح ، ويُستخدم لتبرير القتل والتخريب والتدمير .
وأي دين هذا الذي يُستباح بإسمه دم الإنسان ؟ وأي إيمان هذا الذي لا يرى في الحياة إلا الخصومة والعداء ؟ وأي إنتماء هذا الذي يقود صاحبه إلى الإعتداء على أهله وجيرانه ومجتمعه ووطنه ؟
إن الذين يتخذون من العنف وسيلة للتعبير عن أفكارهم ، ويظنون أن هدم البيوت وترويع الآمنين وإزهاق الأرواح إنتصار لمعتقداتهم ، إنما يهدمون الإنسان قبل أن يهدموا الحجر ، ويعتدون على المجتمع قبل أن يعتدوا على مؤسساته. فالوطن الذي يحتضن الجميع لا يمكن أن يكون ساحة لأفكار الإقصاء والكراهية ، والدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون غطاءً للجريمة والعدوان.
قال الله تعالى : ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾.
وهنا لا بد أن نؤكد أن مواجهة هذا الفكر ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها ، وإن كانت تقوم بواجبها في حماية الأمن والإستقرار ، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية ودينية مشتركة ، تبدأ من البيت ، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية ، وصولاً إلى كل مواطن يؤمن بأن أمن الوطن مسؤولية الجميع .
فالأب والأم مسؤولان عن أبنائهما ، والجار مسؤول عن جاره ، والمعلم مسؤول عن طلبته ، ورجل الدين مسؤول عن خطابه ، والإعلامي مسؤول عن الكلمة التي ينشرها ، والمواطن مسؤول عن كل ما يراه من مؤشرات خطر تهدد مجتمعه .
وليس من المقبول أن يرى أحدنا سلوكاً مريباً أو تحريضاً على العنف أو تهديداً لحياة الآخرين ، ثم يقف متفرجاً ، متذرعاً بأن الأمر لا يعنيه ، أو أنه لا يريد التدخل . إن الصمت أمام الخطر ليس دائماً حكمة ، وقد يتحول إلى تقصير في حق المجتمع والوطن. والمطلوب أن يكون الإبلاغ عن المؤشرات الجدية للجهات المختصة مسؤولية واعية ، بعيداً عن الشائعات والاتهامات والظلم والتشهير بالناس .
إن ما تمر به منطقتنا من إضطرابات وصراعات ومحاولات لنشر الفوضى ، وما يحيط بأمننا وإستقرارنا من تحديات ، يفرض علينا أن نكون أكثر يقظة ووعياً ، وأن ننتبه إلى السلوكيات التي تحمل بذور التطرف والعنف ، وأن نحصّن أبناءنا من خطاب التحريض والتضليل ، وألا نسمح لأحد بأن يستغل الدين أو العاطفة أو الخلافات الفكرية لزرع الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد .
وهنا تبرز مسؤولية الدولة ومؤسساتها في تعزيز الوعي ، وتطوير الخطاب الديني والإعلامي والتربوي ، ومواجهة خطاب الكراهية بالحجة والعلم والحوار ، ومعالجة الأسباب الفكرية والإجتماعية التي قد تجعل بعض الشباب عرضة للإستقطاب والتجنيد من قبل أصحاب الأفكار المتطرفة .
ولا يجوز أن نخلط بين الإختلاف الفكري المشروع والتطرف العنيف ، ولا بين التدين الحقيقي والتعصب الأعمى ، فحرية الإعتماد والرأي مصونة ، والإختلاف سنة من سنن الحياة ، لكن الإعتداء على الآخرين وتكفيرهم والتحريض على قتلهم وترويعهم ليس رأياً يُحترم ، بل سلوك يجب أن يُواجه بالقانون والوعي والمسؤولية .
إن الأردن ليس مجرد أرض نعيش عليها ، بل هو بيتنا الكبير ، وكرامتنا المشتركة ، وتاريخنا ومستقبل أبنائنا .
وإن وحدتنا الوطنية ، وتماسك نسيجنا الإجتماعي ، وإلتفافنا حول قيادتنا الهاشمية ، وثقتنا بقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية ، هي ركائز أساسية في حماية أمننا وإستقرارنا. ولن نسمح لفكر الإقصاء والكراهية أن يعبث بعلاقات الأردنيين ، أو أن يزرع الشقاق بين مكونات الشعب الأردني .
إننا بحاجة اليوم إلى ثورة وعي ، لا إلى مزيد من الصراخ ، وإلى بناء العقول لا تخريبها ، وإلى تربية الأجيال على المحبة والإنتماء وإحترام الإنسان ، وإلى أن ندرك جميعاً أن قوة الوطن لا تقاس فقط بما يمتلكه من إمكانات ، وإنما بوعي أبنائه ، وتماسك مجتمعه ، وقدرتهم على حماية بعضهم بعضاً .
فلا وطن مع الكراهية ، ولا إيمان مع إستباحة دماء الأبرياء ، ولا إنتماء حقيقياً لمن يرفع شعار الدين ثم يعتدي على الإنسان ، ولا مستقبل لمجتمع يسمح للجهل بأن يقود عقول أبنائه .
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً ، وحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة ، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، وحفظ شعبه الأبي ، وقواته المسلحة ، وأجهزته الأمنية ، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والوحدة الوطنية .
وليبقَ الأردن وطناً للعقل والإيمان ، والرحمة والتسامح ، والكرامة والإنسانية ، لا مكان فيه للتكفير والإرهاب والكراهية .
فالأوطان لا يحميها الصمت عن الخطر ، وإنما يحميها وعي أبنائها ، وصدق إنتمائهم ، وتكاتفهم في مواجهة كل فكر يريد لها الشر والدمار .



عدد المشاهدات : (6150)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :