بقلم: المستشار مثقال مقطش - أمريكا
يُشكل الناتج المحلي الإجمالي، عبر عقود طويلة، البوصلة الأساسية التي تعتمدها الدول والمؤسسات المالية الدولية لقياس الأداء الاقتصادي وتقييم الثروة الوطنية، فعندما تسجل نسب النمو ارتفاعاً، تسارع الحكومات إلى إعلان النجاح والاحتفاء بتحسن المؤشرات، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في الدوائر الاقتصادية المعاصرة يدور حول ما إذا كان هذا الارتفاع تعبيراً حقيقياً عن تعافٍ اقتصادي ورفاهٍ مجتمعي أم أنه مجرد بريق رقمي يُخفي خلفه اختلالات هيكلية عميقة.
إن الناتج المحلي الإجمالي في جوهره ليس سوى مقياس كَمّي يُعبر عن القيمة النقدية لإجمالي السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل حدود دولة ما خلال فترة زمنية محددة، ورغم هذه الشمولية الظاهرية يواجه هذا المؤشر عيوباً جوهرية تجعله عرضة لتضليل صانعي القرار، وتأتي في مقدمة هذه العيوب غياب معيار العدالة في توزيع الثروة، إذ قد يسجل الاقتصاد نمواً استثنائياً يتمركز في أيدي فئة ضيقة من المجتمع بينما تتآكل القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة، فيتحول النمو إلى رقم صامِد في التقارير الرسمية ينفصل تماماً عن واقع الحياة اليومية للمواطنين.
إلى جانب ذلك يبرز الوهم الناتج عن التضخم عند الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المقاس بالأسعار الجارية، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار بمفرده إلى تضخيم حجم الناتج دون أن يرافق ذلك أي زيادة فعلية في حجم السلع والخدمات المنتجة، مما يفرض ضرورة الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المعدل وفق التضخم للوصول إلى قراءة أكثر دقة للواقع، وتكتمل صورة القصور بعدم احتساب القطاع غير الرسمي أو الاقتصاد الموازي الذي تكتظ به العديد من الدول، فبالرغم من ضخامة أنشطته ومساهمته الفاعلة في توظيف الأيدي العاملة وتحريك عجلة الاستهلاك، يظل خارج نطاق الحسابات القومية الرسمية مما يُقدم صورة مجتزأة وغير مكتملة عن المشهد الاقتصادي.
ومن أبرز مآخذ الاقتصاديين على هذا المؤشر تعامله مع كافة الأنشطة الاقتصادية دون تمييز لقيمتها الاجتماعية أو البيئية، فهو يحتسب الكوارث والأزمات كحوادث المرور التي تتطلب إصلاحات باهظة والحروب وأمراض التلوث التي تستنزف ميزانيات العلاج كإضافات إيجابية ترفع من قيمة الناتج نظراً للإنفاق المالي الناجم عنها، كما لا يفرق بين إنتاج سلع ذات نفع حقيقي كالتعليم والصحة والتكنولوجيا وبين إنتاج سلع استهلاكية ضارة أو استنزافية، فيشهد الناتج نمواً ملحوظاً في الوقت الذي تتراجع فيه جودة الحياة وينخفض رأس المال البشري والبيئي.
وقد أدرك الفكر الاقتصادي الحديث هذا القصور الهيكلي، مما أدى إلى بروز مؤشرات بديلة ومكملة تسعى لتقييم النمو بمفهومه الشامل والمستدام، مثل مؤشر التنمية البشرية الذي يربط بين الدخل ومستويات التعليم والصحة ومتوسط العمر المتوقع، ومؤشر التنمية المستدامة الذي يُدخل الاعتبارات البيئية ونضوب الموارد الطبيعية في معادلة تقييم الثروة القومية، بالإضافة إلى مؤشر السعادة القومية الإجمالية الذي يُركز على جودة الحياة النفسية والاجتماعية للمواطنين بمعزل عن الوفرة المالية البحتة.
ختاماً، إن تحسن الناتج المحلي الإجمالي لا يعكس بالضرورة نمواً حقيقياً مستداماً لكونه مؤشراً كَمّياً بحتاً يفتقر إلى البُعد الكَيفي، وحين يتحول الرقم إلى غاية في حد ذاته متجاهلاً أبعاد العدالة والبيئة والرفاه الإنساني فإنه يفقد مضمونه الاقتصادي والاجتماعي، مما يجعل صياغة السياسات الاقتصادية الناجحة مرهونة بتجاوز عقدة الأرقام الصماء لنقل الاقتصادات من مجرد نمو عددي إلى استدامة حقيقية وعدالة ملموسة.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |