رم - *التَّوْجِيهَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي حُرْمَةِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ (دَمه وَمَاله وَعِرْضه) …..*
الرَّحْمَةُ وَالتَّكْرِيمُ الْإِلَهِيُّ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 107].
فَالرَّحْمَةُ فِي رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ عَاطِفَةً عَابِرَةً، بَلْ مَنْهَجٌ فِي الدَّعْوَةِ وَالتَّعَامُلِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ، وَصِيَانَةِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 70].
وَأَنَّ حُرْمَةَ الْإِنْسَانِ وَكَرَامَتَهُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَامُ لِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ! قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا» …وفي رواية ( أليست نفساً؟)…
فاحتِرامُ الرُّوحِ الإنسانيَّةِ الَّتي أودَعَ اللهُ فيها سِرَّ الحياةِ، فيه تَعظيمٌ لخالِقِها سُبحانَه وتعالى.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَلَفْظُ «مُسْلِمٍ» فِي الْحَدِيثِ جَاءَ لِلتَّغْلِيبِ عِنْدَ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ، فَيَنْطَبِقُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ.
هَذِهِ النُّصُوصُ تُؤَسِّسُ لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ: أَنَّ التَّدَيُّنَ الصَّحِيحَ لَا يُبَرِّرُ الظُّلْمَ، وَلَا يُبِيحُ الِاعْتِدَاءَ، وَلَا يَجْعَلُ الْغُلُوَّ فَضِيلَةً، بَلْ يَضْبِطُ السُّلُوكَ بِالْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ.
قَتْلُ النَّفْسِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ...» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَتْلُ النَّفْسِ يُعَدُّ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الْمَائِدَةِ: 32].
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عِظَمِ حُرْمَةِ النَّفْسِ قَوْلُهُ: «وَأَنَّ التَّشْبِيهَ بِقَتْلِ النَّاسِ جَمِيعًا يُرَادُ بِهِ بَيَانُ جَسَامَةِ الْجَرِيمَةِ وَشَنَاعَةِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ».
قَتْلُ النَّفْسِ عُدْوَانٌ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدْل
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فَلَا تَسُوغُ الْخُصُومَةُ ظُلْمَ الإِنْسَانِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الِاخْتِلَافُ إِلَى اعْتِدَاءٍ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النِّسَاءِ: 58].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ فَهُوَ تَوْجِيهٌ إِلَى إِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَدَمِ جَعْلِ الْهُوِيَّةِ أَوِ الِانْتِمَاءِ مُبَرِّرًا لِلظُّلْمِ.
قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُخَاطِبًا ابْنَ أَمِيرِ مِصْرَ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا؟» فِي سِيَاقِ إِنْكَارِهِ حِينَ وَقَعَ الظُّلْمُ عَلَى الْقِبْطِيِّ.
فَكَرَامَةُ الْإِنْسَانِ وَحُرِّيَّتُهُ فَوْقَ أَيِّ اعْتِبَارٍ.
قَتْلُ النَّفْسِ مَانِعٌ مِنَ الْمَغْفِرَةِ:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال:«لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» رواه البخاري.
يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ». رواه البخاري في صحيحه تعليقًا.
حُرْمَةُ قَتْلِ النَّفْسِ مِنْ وَصَايَا الْحَبِيبِ ﷺ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
قَتْلُ النَّفْسِ غَدْرٌ وَخِيَانَةٌ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
حُرْمَةُ الْإِيذَاءِ وَتَرْوِيعِ النَّفْسِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
حُرْمَةُ الدِّمَاءِ أَوَّلُ قَضَاءٍ وَحِسَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
حِفْظُ النَّفْسِ مَقْصِدُ الشَّارِعِ وَضَرُورَةٌ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَيْهَا بُنِيَتْ دَعَائِمُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَمَقَاصِدُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (ت 505هـ) فِي بَيَانِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ: «وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَنَفْسَهُمْ، وَعَقْلَهُمْ، وَنَسْلَهُمْ، وَمَالَهُمْ».
قَالَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (ت 684هـ): «وَأَنَّ حِفْظَ الضَّرُورِيَّاتِ: الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ، مِنْ أَهَمِّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ».
حِفْظُ النَّفْسِ عِبَادَةٌ، وَصِيَانَةُ الدِّمَاءِ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَحِمَايَةُ الْأَبْرِيَاءِ وَاجِبٌ، وَمُوَاجَهَةُ التَّطَرُّفِ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ.
وَكَمَا يُوجَدُ تَطَرُّفٌ مِنْ بَعْضِ الْجهلة فِي دِينِنَا الْإِسْلَامِيِّ، كَذَلِكَ فِي الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَى لَيْسَ أَقَلَّ شَأْنًا وَخَطَرًا؛ فَالْإِرْهَابُ وَالتَّطَرُّفُ لَا لَوْنَ له وَلَا دِينَ.
فَمِنْ وَاجِبِ الْغَيُورِينَ عَلَى دِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُرَبِّينَ وَالْإِعْلَامِيِّينَ وَالْمَسْؤُولِينَ، بَيَانُ حَقِيقَةِ الدِّينِ، وَكَشْفُ شُبُهَاتِ الْغُلُوِّ، وَتَحْصِينُ الشَّبَابِ مِنَ الْفِكْرِ الْمُنْحَرِفِ، وَمُحَارَبَةُ التَّطَرُّفِ مَهْمَا كَانَ لَوْنُهُ وَدِيَانَتُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَهْلَنَا، وَاحْقِنْ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَاهْدِ شَبَابَنَا إِلَى الْحَقِّ وَالِاعْتِدَالِ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَاحْفَظِ الْأُرْدُنَّ مَلِكًا وَقِيَادَةً وَشَعْبًا، وَاجْعَلْهُ وَاحَةَ أَمْنٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَسَلَامٍ.
*️د. نشأت نايف الحوري*