رم - بقلم النائب د ديمة طهبوب
في الثمانينيات من القرن الماضي كانت ثلة قليلة تعرف عن أشياء يقال لها أحكام الميم و النون الساكنة و المدود و القلقلة و الإظهار و الإخفاء و الإدغام، و لو سألنا في مسابقة من هو حفص أو عاصم أو ورش أو متن الشاطبية أو الجزرية لما نفعنا الاستعانة بصديق و لا حذف إجابتين و لا رأي الجمهور في معرفة الإجابة، فقد كان وقتها علم التجويد علم نخبة لا يعرفه حتى بعض خريجي الشريعة! و كان العامة يحبون قراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله و يظنون أن طريقة قراءته في التطويل و التقصير و الغنة و المد موهبة و أسلوب شخصي ميزه الله به دون غيره من المقرئين
كان أغلب الناس يقرؤن القرآن و يحفظون منه دون أن يبلغوا المهارة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة" و لم نمارس الترتيل الذي ليس تلحينا و صوتا جميلا بقدر ما هو إتباع أحكام و تلاوة بطريقة يعود سندها الى رسول الله، و لذا كان من جزاء المرتل في الدنيا الارتقاء في الآخرة في درجات الجنة بكل آية يقرؤها
في ظل عدم الإلمام بأحكام قراءة القرآن وتفسيره تداعت ثلة خيرة من أبناء الأردن في أوائل التسعينات لانشاء جمعية المحافظة على القرآن الكريم التي لم تكن كتّابا لتحفيظ القرآن و نشر علوم القراءة بل قامت رؤيتها و رسالتها أن القرآن منهج حياة ليس محصورا بدفتي مصحف و لا في ساعة قراءة أو ورد أو دراسة و إنما هو صلاة و نسك و حياة و ممات كلها تنبعث من هذه المعجزة الإلهية الخاتمة، هو حروف تُقرأ و أحكام يعاش بها
و ما زلت أذكر زهو الدكتور محمد المجالي و هو يرسم خارطة من نوع آخر للأردن تمتد بامتداد مراكز جمعية المحافظة على القرآن في المملكة فيقول "حدودنا من الغور الى الجفور و من العقبة الى الهضبة" و هذا الأردن القرآني له انجازات غير مسبوقة فقد خرّج من أكاديمياته القرآنية الاف هذا غير دورات العلوم القرآنية و الشرعية و الدورات الثقافية و الاجتماعية التي جعلت من مراكز الجمعية شعلة إشعاع و تجميع و توعية و عمل و خدمة و تفعيل أينما وجدت،كما و قدم الأردن القرآني تجربة رائدة في هذا المجال استفادت منها المؤسسات العربية و الإسلامية، بل و كان سباقا الى مشروع إصدار مصاحف للصم و المكفوفين وغيرها الكثير من الانجازات جعلت الجمعية شامة وتجربة تستنسخ من الدول العربية المجاورة
و قد عملت الجمعية على بث الثقافة القرآنية و تيسير تعليم القرآن طاعة لله و خدمة للوطن و الأمة و تفاعلت مع تطورات العصر فحرصت على توفير بيئة محفزة لحفظة القرآن على العطاء و الإبداع في المجتمع خارج إطار الجمعية، و وعت الجمعية أهمية جيل الشباب و خطورة وقت الفراغ فحرصت على توفير برامج و مراكز مستمرة على مدار العام و مكثفة في أوقات العطل تجمع بيت تقديم علوم القرآن و تفعيلها في علوم الحياة مستنيرة بما ورد عن ابن مسعود من تميز قارئ القرآن إذ قال "لا ينبغي لصاحب القرآن أن يلغو مع من يلغو أو يلهو مع من يلهو، و ينبغي لحامل القرآن أن يكون حليما حكيما لا صخابا و لا صياحا"
و كان للنساء، و بالذات ربات البيوت، نصيب وافر من مشاريع الجمعية و حصلن شهادات متقدمة في علوم التجويد، و حفظت بعض الحاجات الأميات من كبار السن و القدر كتاب الله سماعا و تلقينا
و عندما نعلم أن فروع الجمعية زادت لتغطي كل الأردن نفهم أهمية المبادرة في عمل الخير و تحويل الأقوال الى أفعال و الصدقة الجارية التي تصل الى القائمين و العاملين مع كل آية تتلى و حكم يطبق و حافظ عامل يتخرج، و هذه الفروع ليست غرفا مغلقة لشيخ بعصا غليظة، و هي الصورة المغلوطة النمطية التي تروجها بعض وسائل الإعلام لشيوخ الدين، و إنما معلمون و معلمات أفذاذ بوجوه مبتسمة و قلوب مفتوحة ترى في علمها أجرا و ثوابا قبل الأجرة و الوظيفة
و لقد أثمر الغرس الذي زرعته الجمعية في نفوس الأردنيين على مدى أكثر من عشرين عاما أيما إثمار و تجلى حبهم للقرآن و تعهدهم له في حملة وقف أهل القرآن (وقفي حياتي بعد مماتي) التي تهدف الى دعم مشاريع الجمعية و لتكون بمثابة صدقة جارية لمقدميها يتواصل أجرها و ينمى لهم حتى بعد وفاتهم
و لكن حتى نفهم القرآن حق الفهم فلا بد أن نعرف أن الحفظ والقراءة دون العمل لا تغني عن المرء شيئا، إن الله لم يوجب على عباده الحفظ وإنما أوجب عليهم التطبيق، فقال «لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآناه فإذا قرأناه فاتبع قرآناه» وقال مخاطبا نبيه يحيى في موضع آخر إن الكتاب يجب أن يؤخذ بقوة وهذا يعني تطبيقه في أتم صورك، ويؤكد ابن مسعود أن الهدف ليس الحفظ وإنما العمل، فقال «كنا لا نتجاوز العشر آيات حتى نعمل بها فتعلمنا العلم والعمل معا».
نعم نحن بحاجة الى تصحيح الفهم فحافظ لا يعلم أن القرآن بين جنبيه يأمر جسده باستنفاذ الجهد في الرحمة بالناس و خدمتهم و العدل بينهم و الوقوف بوجه الطغاة ليس بحافظ، بينما متعتع بالقرآن يمشي في حاجات مجتمعه بالاصلاح يبغي نفعه ورفع الظلم عن اخوانه خير من مقرئ تدمع لصوته العيون وتخشع القلوب ثم لا يسعى في نفع الناس
إن تعليم القرآن للناس دون فهم معناه والعمل بمقتضاه يكاد يكون منهيا عنه، فعن سفيان الثوري أنه قال «إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل به فلا تعلموه فإن من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريّا بالماء ازداد مرارة وإذا رأيتموه يخلّط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع فكفوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا»،
وعلى الحكومة والاذرع الاهلية والجمعيات أن تكون رسالتهم في تطبيق القرآن في المجتمع بالإصلاح والاعمار فهذا الامتحان الحقيقي والوظيفة الفعلية والإجازة الكاملة لحامل القرآن؛ ولذا كان هم الأولين ممن فقهوا ليس متى يختم الآية أو الجزء ولكن متى يفهم ما يقرأ ومتى يعمل به.
إن كل قارئ لا يعمل لإعمار الكون ورفع الظلم وإصلاح الحياة فقد جعل القرآن وبالا عليه
عندما تتحسن احوال بلدنا وشعبنا و امتنا يكون القرآن قد أدى غايته وعندما يطبق الناس رسالة القرآن الاصلاحية يمكن القول إننا نجحنا في تعليمهم اياه، وإلا فكثيرون يدردشون بالدين والعبادات ويتسابقون بالختمات وحال المسلمين من سيء لأسوأ، وهذا الكتاب ما نزل علينا لنشقى بل لننعم بأفضل حياة وأكرم منزلة وهذا الدرس الأكبر الذي تعلمته من القرآن في جمعية المحافظة على القرآن.
يقول بيت الشعر الذي يجمع حروف حكم الاخفاء من أحكام النون الساكنة:
صف ذا ثنى كم جاد شخص قد سمى
دم طيبا زد في تقى ضع ظالما
العجز في البيت يلخص رسالة القرآن في بناء الذات الطيبة لتقوم بوظيفة اقامة العدالة ووضع الظلم
بالقرآن و أهله يُحفظ البلد و يستمطر الخير و تستدفع البأساء و يستقيم المعوج و ينصر المظلوم و يعاقب الظالم فالقرآن ليس كلمات تتلى للأجر أو التبرك أو في المناسبات و إنما منهاج حياة يقول فيه محمد إقبال متعجبا ممن يحصرون القرآن ككتاب متعبد بتلاوته فقط " إنه ليس بكتاب فحسب إنه أكثر من ذلك، إذا دخل في القلب تغير الإنسان، و إذا تغير الإنسان تغير العالم، فيا عجبا أن لا يصبح لك اتصال بالقرآن الا إذا حضرتك الوفاة فتُقرأ عليك سورة يس لتموت بسهولة!قد أصبح الكتاب الذي أنزل ليمنحك الحياة و القوة يُتلى عليك لتموت براحة و سهولة!!"
لقد فهمت حجة أمية ذلك الانفتاح على رحمة الله التي تسع الأرض و السماء فتعلمت بالقرآن ما لم تتعلمه بالابجدية يروي الاستاذ عبد المجيد المجالي :سمعتها تقرأ سورة الكوثر في صلاتها و هي تبدأها قائلة "إنا أنطيناك الكوثر" و حين أنهت صلاتها قلت لها: "يا يمة كم مرة حكيتلك (أعطيناك) مش (أنطيناك)"؟ردت: "والله أنسى، بعدين نفس المعنى وكله حرف إلي غلطت فيه"أجبتها: هذا الحرف لازم نقرأه زي ما بده ربنا مش زي ما بدنا..نظرت إلي باستنكار قبل أن تسألني: "وانت تفكر الواسع يضيق علينا بحرف"، ثم مدت مسبحتها وتابعت بأسى: "ع اليوم إنكم سهلين مثله"!
إن من دخل القرآن قلبه أصبح أرضا سهلا لعباد الله ليطؤوها وبذل لهم من نفسه وماله ووقته وكل ما أعطاه الله من نعم