بقلم: سالم أحمد الحوراني
ليست رصاصةٌ تُطلق على كنيسةٍ مجرد اعتداءٍ على مكانٍ للعبادة، وليست يدٌ تمتد إلى الأبرياء مجرد جريمةٍ عابرة؛ إنها اعتداءٌ على حق الإنسان في الحياة والأمان، وطعنةٌ في قيم التعايش والكرامة الإنسانية، ومحاولةٌ بائسة للنيل من نسيجٍ وطنيٍّ صاغه الأردنيون، عبر عقودٍ من المحبة والتاريخ والمصير المشترك.
إن الحادثة الإرهابية المؤلمة التي شهدتها الكرك، وما رافقها من أنباء عن سقوط ضحايا وإصابة آخرين، تستوجب إدانةً واضحةً لا لبس فيها، وموقفًا وطنيًا حازمًا يرفض الإرهاب بكل أشكاله وصوره، ويؤكد أن دماء الأبرياء ليست مجالًا للمساومة، وأن حرمة دور العبادة حقٌّ لا يجوز المساس به، وأن أمن الأردنيين جميعًا مسؤوليةٌ وطنيةٌ وأخلاقيةٌ لا تقبل التجزئة.
فالأردن ليس مجرد حدودٍ جغرافية، بل حكاية وطنٍ كتبها أبناؤه معًا، مسلمين ومسيحيين، في ميادين التضحية والعمل والبناء. لم تكن المواطنة يومًا حكرًا على فئة، ولم يكن الانتماء يومًا محكومًا بدينٍ أو طائفة؛ بل ظل الأردنيون، على اختلاف معتقداتهم، شركاء في الأرض والخبز والهمّ والأمل، يجمعهم علمٌ واحد، وولاءٌ لوطنٍ واحد، وإيمانٌ بأن كرامة الإنسان من كرامة الوطن.
ومن هنا، فإن الاعتداء على كنيسةٍ أو مسجدٍ أو أي مكانٍ للعبادة هو اعتداءٌ على الأردن بأسره، وعلى حق كل مواطن في أن يمارس شعائره بحرية وأمان. فدور العبادة ليست خطوط تماسٍّ بين أبناء الوطن، بل جسورٌ للتسامح، وعناوين للطمأنينة، وشواهد على أن الاختلاف لا يناقض الوحدة، وأن التعدد لا يهدد الانتماء، بل يثريه حين تحكمه المواطنة وسيادة القانون.
إن أخطر ما قد يلي جريمةً كهذه ليس الجريمة وحدها، بل أن تتحول دماء الضحايا إلى مادةٍ للتحريض، أو أن تصبح مشاعر الغضب مدخلًا لإشعال فتنةٍ لا تخدم إلا أعداء الوطن والمتربصين باستقراره. فالإرهاب لا يكتفي باستهداف الأرواح؛ وقد يسعى، في بعض الحالات، إلى توسيع دائرة الأذى عبر بث الخوف والشك والكراهية، وتحويل أبناء المجتمع الواحد إلى خصومٍ يتنازعون بدل أن يتكاتفوا في مواجهة الجريمة.
وهنا تبرز مسؤولية الأردنيين جميعًا: أن يكونوا على قدر اللحظة، وأن يتحلّوا بالعقلانية والحكمة، وألا يسمحوا للشائعات أو الخطابات المتعصبة أو الاتهامات غير المستندة إلى حقائق بأن تقود مواقفهم. فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُتداول بريئًا من غاياته، والكلمة حين تُطلق بلا مسؤولية قد تشعل من الفتن ما تعجز عن إطفائه سنواتٌ من الحكمة والتسامح.
إن الرد على الإرهاب لا يكون بإرهابٍ مضاد، ولا على الكراهية بكراهيةٍ جديدة، بل بالعدالة والقانون ووحدة الصف. وعلى الجهات المختصة أن تكشف ملابسات الحادثة، وتحدد المسؤوليات استنادًا إلى الأدلة، وتلاحق كل من يثبت تورطه، فيما تبقى مسؤولية المجتمع أن يرفض الانتقام الجماعي، وألا يحمل جماعةً كاملةً وزر فعلٍ ارتكبه أفراد.
يا أبناء الأردن، يا من جمعتكم هذه الأرض على المحبة والشهامة، تذكّروا أن الوطن أكبر من لحظة غضب، وأن وحدتنا أغلى من كل خطابٍ عابر، وأن دماء الضحايا أمانةٌ في أعناقنا جميعًا. لا تمنحوا الحاقدين فرصةً لزرع الشقاق بينكم، ولا تسمحوا لمجرمٍ أن يحقق، بعد جريمته، انتصارًا آخر بتفريق القلوب وتمزيق الثقة بين أبناء الشعب الواحد.
إن الكرك، بتاريخها العريق وأصالتها الأردنية، ليست عنوانًا للخوف أو الانقسام، بل جزءٌ أصيل من وطنٍ عرف كيف يقف متماسكًا في وجه المحن. والأردن الذي تجاوز التحديات بإرادة أبنائه قادرٌ على أن يحمي وحدته، ما دام أبناؤه يضعون مصلحة الوطن فوق الانفعالات، والحق فوق الشائعة، والقانون فوق الانتقام.
رحم الله الضحايا، ومنح المصابين الشفاء العاجل، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا، وحمى شعبه من كل يدٍ آثمة، وكل فكرٍ متطرف، وكل محاولةٍ تستهدف إشعال الفتنة بين أبنائه.
سيبقى الأردن وطنًا يتسع لجميع أبنائه، وستبقى المواطنة سياجه المنيع، وستظل وحدته الوطنية أقوى من رصاص الإرهاب، وأرسخ من محاولات الفتنة، وأبقى من كل من يراهن على انقسامه.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وأرضًا، وأدام عليه نعمة الأمن وا
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |