– محمد متعب احمد الفريحات
ثمة أوجاع لا تقف عند أبواب البيوت التي أصابتها الفاجعة، بل تعبر النوافذ وتدخل القلوب من دون استئذان، حتى يغدو الحزن وجعا عاما لا يعرف صاحبه حدود المكان. هكذا كانت الفاجعة التي استهدفت كنيسة في الكرك، مشهدا موجعا أثقل القلوب وأدمى المشاعر، وألقى بظلاله الحزينة على مجتمع أردني لم يألف أن يرى دور العبادة ساحات للخوف، ولا أن تتحول لحظات الطمأنينة إلى مأساة توقظ في النفوس هواجس الفتنة والانقسام. ما أقسى أن تسفك دماء بريئة في مكان يفترض أن يجد فيه الإنسان السكينة، وأن تمتد يد الغدر إلى أناس لم يحملوا لأحد عداء، ولم يخرجوا إلا لأداء شعائرهم الدينية.
أي فكر هذا الذي يبيح قتل الأبرياء، وأي ضمير يستطيع أن يتصالح مع جريمة كهذه، إن من يخطط لاستهداف الآمنين، أيا كانت دوافعه أو الشعارات التي يتستر خلفها، لا ينتصر لدين ولا يدافع عن عقيدة، بل يكشف عن انحراف فكري وأخلاقي لا يعرف حرمة الدم، ولا يدرك أن الأديان السماوية جاءت لصون الحياة وحفظ كرامة الإنسان، لا لتبرير القتل وإشعال الكراهية.
في الأردن، لم يكن التعايش الديني يوما عبارة تزين الخطب أو شعارا يرفع عند الحاجة، بل كان حياة عاشها الأردنيون جيلا بعد جيل، وتفاصيل يومية صنعتها الجيرة الطيبة والخبز المشترك والأفراح التي تتسع للجميع. الدار إلى جانب الدار، والكنيسة بجوار المسجد، وبينهما قلوب تعرف بعضها بعضا قبل أن تسأل عن الأسماء والمعتقدات.
كم من مائدة جمعت مسلما ومسيحيا، وكم من بيت فتح أبوابه لجاره في فرح أو عزاء، وكم من يد امتدت للمساعدة دون أن تسأل صاحب اليد الأخرى عن دينه، تلك ليست حكاية نرويها عن ماض بعيد، بل حقيقة أردنية راسخة تشهد عليها البيوت والأحياء والقرى والمدن.
حين تدق أجراس الكنائس، لا يسمع الأردني فيها صوتا غريبا عن وجدانه، وحين يرتفع الأذان من المآذن، يعرف الجميع أن لهذا الوطن نسيجا لا تكتمل صورته إلا بكل خيوطه. في الأعياد نتبادل التهاني، وفي المناسبات نفرح معا، وعندما تنزل المصائب لا تقف الدموع عند حدود طائفة، ولا تستأذن الأحزان معتقدا قبل أن تدخل القلوب. هذه هي الأردن التي عرفناها، والتي لا يستطيع فكر تكفيري مستورد، مهما حاول أن يزرع سمومه، أن يمحو تاريخا من الأخوة أو يهدم جسورا بنتها المحبة على امتداد السنين.
ولعل أخطر ما في الإرهاب أنه لا يكتفي باستهداف ضحاياه المباشرين، بل يحاول أن يقتل الثقة بين أبناء المجتمع، وأن يحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والجيرة إلى ريبة، والإنسان إلى غريب في وطنه. يريد أن يشعل نارا بين أبناء البيت الواحد، وأن يجعل من الدم البريء وقودا لفتنة لا يربح فيها أحد. وهنا تكمن مسؤولية الأردنيين جميعا في أن يرفضوا الانجرار وراء الكراهية، وأن يتمسكوا بوحدتهم، وأن يتركوا للعدالة أن تأخذ مجراها، وللقانون أن يقول كلمته، بعيدا عن الشائعات والأحكام المتسرعة التي قد تمنح أصحاب الفكر المتطرف ما يسعون إليه. إنه يوم حزين، ثقيل كسحابة سوداء حجبت ضوء النهار، يوم تتعثر فيه الكلمات أمام وجع المصابين ودموع ذوي الضحايا، وتعجز فيه العبارات عن حمل ما تضيق به الصدور.
في مثل هذه اللحظات، لا نملك إلا أن نرفع أكف الدعاء إلى الله، أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يمن على المصابين بالشفاء، وأن يربط على قلوب أسرهم وأحبائهم، وأن يحفظ الأردن وأهله من كل سوء. ولأهلنا في الكرك نقول إن المصاب مصابنا جميعا، وإن الوجع الذي طرق أبوابكم وصل إلى كل بيت أردني، وإن دموعكم ليست وحدها في هذا الحزن، فخلفها قلوب تبكي معكم وتدعو لكم وتتمسك بحقكم في الأمن والطمأنينة. سيبقى الأردن أكبر من محاولات العبث بنسيجها، وأقوى من كل فكر يريد أن يزرع بين أبنائها حواجز من الخوف والكراهية. لن تكون الكنيسة في مواجهة المسجد، ولن يكون اختلاف العقيدة بابا للفرقة، ولن يسمح الأردنيون لمن يتاجرون بالدم أن يرسموا لوطنهم صورة لا تشبه تاريخه ولا أخلاق أهله.
فالذي يجمعنا من خبز وملح وجيرة وذاكرة ومصير أكبر من أن تمزقه يد آثمة، وما بني على المحبة لا تهدمه رصاصة، وما رسخته الأجيال من أخوة لا تقتلع جذوره جريمة مهما بلغت بشاعتها. ستظل أجراس الكنائس وأصوات المآذن تتعانق في سماء الأردن، شاهدة على وطن يعرف أن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن كل قطرة دم بريئة تسفك هي اعتداء ظالم وغاشم ، وأن الإرهاب لا دين له، وأن من يعتدي على أخيه في الإنسانية لا ينتصر إلا للظلام. حسبنا الله ونعم الوكيل .
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |