الأردن وطنُ المحبّة والإيمان… المسلمون والمسيحيون إخوةُ الأرض والتأريخ والمصير


رم -
بقلم: الدكتور نسيم أبو خضير
ما جرى في الكرك لا يمثّل الإسلام ولا المسلمين ، ولا يستطيع فعلٌ مرفوض أن يهدم جسور الأخوّة التي بناها الأردنيون عبر أجيال من المحبّة والعيش المشترك والانتماء الصادق للوطن .
ليس كلُّ ما يُرتكب باسم الدين من الدين ، وليس كلُّ من رفع شعار الإسلام قد عبّر عن حقيقة الإسلام ، فالأديان السماوية جاءت لتصون كرامة الإنسان ، وتحفظ النفس ، وتنشر الرحمة ، وتدعو إلى العدل والإحسان ، لا لتزرع الكراهية في القلوب ، أو تثير الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
وفي الأردن ، حيث تتعانق مآذن المساجد وأجراس الكنائس ، وحيث يجمع أبناء الوطن تأريخ ٌ طويل من الأخوّة والتعاون والتضحية ، تبقى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين أمانةً وطنية وأخلاقية ودينية ، لا يجوز العبث بها ، ولا السماح لأيّ حادثة مؤلمة بأن تنال من متانتها أو تشوّه حقيقتها .
إنّ ما حدث في الكرك ، مهما كانت تفاصيله التي ينبغي أن تُعرف من خلال التحقيقات والحقائق الموثوقة ، لا يجوز أن يتحوّل إلى مناسبة للتعميم ، أو الإساءة إلى الإسلام والمسلمين ، أو بثّ الشكوك بين أبناء المجتمع الأردني الواحد . فالمسؤولية عن أيّ فعل يتحمّلها مرتكبوه ، ولا يجوز تحميل دينٍ كامل أو جماعةٍ واسعة تبعات أفعال أفراد.
الإسلام الذي نؤمن به دينُ رحمةٍ وعدل ، لا دينُ إعتداء ٍ وظلم ، ودينُ أخوّةٍ وتعارف ، لا دينُ تحريضٍ وفتنة .
قال الله تعالى في محكم تنزيله :
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة: 8.

فهذا هو ميزان الإسلام في التعامل مع الناس ، العدل الذي لا يتبدّل بالغضب ، والإنصاف الذي لا تسقط قيمته عند الإختلاف ، والإلتزام بأخلاق الدين حتى في أصعب الظروف.

الكرك الجريحة… وجعٌ أردنيٌّ واحد ، لا دينَ له ولا طائفة .
إنّ الاعتداء الذي إستهدف كنيسة في الكرك ، وأوقع ضحايا ومصابين وفق التقارير الأولية ، جريمة موجعة تستوجب إدانة واضحة ، وتستحقّ منّا جميعًا الوقوف إلى جانب الضحايا وذويهم ، والدعاء للمصابين بالشفاء ، وإنتظار نتائج التحقيقات الرسمية لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

فدمعة الأم المسيحية على ولدها لا تختلف عن دمعة الأم المسلمة على ولدها ، ووجع الأب الذي يفقد ابنه ليس له دين ، وحرمة الدم الإنساني لا تتجزأ بحسب العقيدة أو الطائفة أو مكان العبادة.

حين يُستهدف إنسان في كنيسة ، فإنّ الوجع لا يبقى خلف أبواب الكنيسة ، بل يدخل كل بيت أردني ، ويطرق أبواب المساجد ، ويهزّ ضمير كل مواطن شريف.

هذه هي حقيقة الأردن الذي نعرفه ونعتز به ، الأردن الذي عاش فيه المسلم والمسيحي أخوين وجارين وزميلين وشريكين في العمل والبناء ، وتقاسما أفراح الوطن وأتراحه ، ووقفا معًا في مواجهة المحن والتحديات.

لقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني ، في مواقف وطنية معلنة ، أنّ المسلمين والمسيحيين يشكّلون نموذجًا للأخوّة والعيش المشترك ، وأنّ المسيحيين جزء أصيل من النسيج الإجتماعي الأردني ، وشركاء في بناء الوطن وحماية منجزاته.

وهذا ليس شعارًا للإستهلاك الإعلامي ، بل حقيقة تأريخية ووطنية نراها في بيوت الأردنيين وعائلاتهم ومدارسهم ومؤسساتهم ، وفي علاقات المحبة التي لا تسأل عن طائفة الإنسان قبل أن تمدّ إليه يد العون .

ديننا براءٌ من الإرهاب ، ووطنيتنا ترفض الفتنة.

إنّ من يعتدي على الأبرياء ، أو يستبيح دور العبادة ، أو يسعى إلى إشعال الفتنة بين أبناء الوطن ، لا يخدم الإسلام ، ولا ينتصر للدين ، ولا يعبّر عن أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي بعثه الله رحمةً للعالمين ، والاسلام منه براء .

قال الله تعالى :
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ المائدة: 32 .
وقال سبحانه وتعالى :
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ الممتحنة: 8.

فكيف يمكن لمن يدّعي الإلتزام بدين الرحمة أن يعتدي على الأبرياء ، أو يروّع الآمنين ، أو يزرع الخوف في قلوب المصلّين ؟

إنّ الإسلام بريء من هذه الأفعال المأجورة والتي قد يقف خلفها أياد خارجية خسيسة تريد النيل من الاردن ومواقفه ، كما أنّ المسيحية بريئة من كلّ فعل إجرامي يُرتكب بإسمها.

فليس من العدل أن نحاكم دينًا بأفعال مجرم ، وليس من الحكمة أن نسمح لجريمة بأن تتحوّل إلى حربٍ بين أبناء المجتمع الواحد.

ومن هنا ، فإنّ واجب العلماء والدعاة ورجال الدين المسيحيين والإعلاميين والمثقفين أن يتكاتفوا في هذه اللحظة العصيبة ، وأن يرفعوا صوت العقل والإيمان ، وأن يحموا المجتمع من الشائعات وخطاب الكراهية والتحريض الطائفي.

الأردن أقوى من الفتنة ، وأبقى من الجريمة... يا أبناء الأردن ، يا أهل الكرك الكرام ، يا أبناء هذا الوطن من المسلمين والمسيحيين … إنّ وطننا أمانة في أعناقنا جميعًا ، وأمنه وإستقراره ليسا مسؤولية مؤسسة واحدة ، بل مسؤولية وطنية مشتركة ، تتطلب الوعي وضبط النفس والثقة بالإجراءات الرسمية ، وعدم الإنجرار وراء الأخبار المجهولة أو الأصوات التي تستثمر في الدماء لإشعال الأحقاد.

لقد عرفت الكرك عبر تأريخها مواقف البطولة والتضحية والكرامة ، ولا يجوز أن نسمح لجريمة أن تختصر تأريخها ، أو أن تنال من أهلها ، أو أن تضع أبناءها في مواجهة بعضهم بعضًا.

فلنقف مع أسر الضحايا ، ولنواسِ أهلنا المسيحيين ، ولنؤكد لهم بالفعل قبل القول أنهم أهلنا وإخوتنا وشركاؤنا في هذا الوطن ، وأنّ الإعتداء عليهم إعتداء على أمن المجتمع وكرامة الإنسان وحرمة دور العبادة.

ولنؤكد في الوقت ذاته أنّ العدالة لا تتحقق بالإنتقام الجماعي ، ولا بإتهام الأبرياء ، بل بكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة وفق القانون.

إنّ حماية النسيج الوطني تبدأ من الكلمة المسؤولة ، ومن البيت الذي يربي أبناءه على إحترام الآخر ، ومن المسجد الذي يعلّم الرحمة ، ومن الكنيسة التي تدعو إلى المحبة ، ومن المدرسة التي تغرس المواطنة ، ومن الإعلام الذي يطفئ نار الفتنة بدلًا من أن يصبّ الزيت عليها.

إلى كل أردني وأردنية لسنا بحاجة إلى أن نتشابه في عقائدنا حتى نتوحّد في حبّ وطننا ، ولسنا بحاجة إلى أن نختلف في شعائرنا حتى نتفق على حرمة الدم ، وكرامة الإنسان ، وحقّ الجميع في العبادة والأمن والحياة الكريمة.

نحن الأردنيين ، مسلمين ومسيحيين ، أبناء وطن واحد ، وتأريخ واحد ، ومصير واحد. لا تفرّقنا كنيسة ، ولا يفصلنا مسجد ، ولا تستطيع يد الإجرام أن تمزّق ما جمعته المحبة وجذّره الإنتماء.

إنّ ما حدث في الكرك لا يمثّل الإسلام ولا المسلمين ، ولا يجوز أن يكون سببًا للإساءة إليهم أو تحميلهم مسؤولية جريمة إرتكبها أفراد . بل إنّ الموقف الإسلامي والأردني الأصيل يقتضي إدانة هذا الاعتداء ، ونصرة المظلوم ، وحماية الأبرياء ، وصون الأخوّة الوطنية.

رحم الله الضحايا ، وألهم ذويهم الصبر والسلوان ، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وحمى الأردن من كل سوء ، وحفظ قيادته الهاشمية وشعبه الوفي ، وأدام بين أبنائه المحبة والرحمة والأمن والإستقرار.

عاش الأردن وطنًا للتآخي والكرامة ، وطنًا لا يُسأل فيه الإنسان عن دينه قبل أن يُحتضن بوصفه أخًا في الإنسانية وشريكًا في الوطن.

حمى الله الأردن ، وحفظ أهله جميعًا ، وأبقى رايته عاليةً خفّاقة ، وأخمد كل فتنة ، وردّ كيد المعتدين إلى نحورهم ، وجعل من هذه المحنة سببًا لمزيد من الوحدة والتماسك والرحمة .



عدد المشاهدات : (4088)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :