من كُنّاشة مُدرّس( قرية صنفحة أم القرى) الحبل السُّري الملتوي بين الكرك والطفيلة، كان دقيقا ورفيعا، وولادة الوصول القيصرية يكتنفها كثير من الخطورة، إذ كان من واجب الضيافة للمسافرين عند لحظة الوصول إلى الطفيلة استقبالهم بأسرة طوارئ المستشفى الحكومي الرابض على قمة الجبل!
الباص الأراقوز المزركش بألوان جانبية هندية ومرايا بأذرعة طويلة ترحب بركابه من بعيد، ذاك الثمل المخنوق اللاهث عطشا ودخانا، وهو يترنح في وادي الحسا متحفزا ومنرفزا فاغرا فاه لصعود أعالي العيص، النقطة الفاصلة بين الحياة والموت، وبين حرارة الوصول ومرارة الغربة الأولى، لذلك المعلم الكركي الذي انشقت طبقة الأوزون في وزارة التربية والتعليم فوق رأسه، بعد أن تمّ تعيينُه مُعلّما جديدا في طفيلة السبعينيات من القرن المنصرم. ثُمّ انشقت طبقة الأوزون مرّة أخرى على رأس ذاك المُعلّم، حين قذفت به قائمة النقل الداخلي في المديرية الناشئة إلى قرية صنفحة في أقصى الغرب من سُرّة المدينة.
قرية صنفحة ( أم القرى) كما كانوا ينعتونها، التقت، حتى في صفات حروف اسمها، الصاد والحاء والنون والفاء ثنائيّة ضديّة مُدهشة، إذ ضمّت الشِّدة واللين، والاستعلاء والتواضع وهي الأم التي تشعّبت منها العديد من قرى بني حميدة من أقاصي الغرب على حاجب الأغوار الجنوبية امتدادا إلى العين البيضاء شرقا. كما تربض على خاصرتيها الجبال الوعرة، والأودية السحيقة، مهوى أفئدة هواة الصّيد البريّ والقنص، وعشاق التّسلُّق و(Rock Climbing ) .
أم القرى العجوز( صنفحة) ببيوتها الطينية الناشفة، وأخاديد وجهها المشققة التي لم يستر عورة ظهورها العارية سوى أشجار الجوز الأخضر بأوراقه العريضة، محجّ الزرازير، وقِبلة الطيور المهاجرة، التي غالبا ما تنام مُنهكة من مطاردة الأشقياء لتنام مستسلمة في بطون قلايات صيادي بنادق الخردق اللعينة!!
ما تزال ( نوستالجيا) الذاكرة تتدفق منها مياه (الأوضة) أو نبع الماء، شريان الحياة الوحيد الذي يتوارد ويتوافد عليه أبناء القرية شُربا واغتسالا وسقيا لهم ولمواشيهم في ثرثرة غير منتظمة متحديةً اصطكاك أسنان رحى معصرة الزيتون الحجريّة المحاذية لها.
أدخنة الطّوابين المنبعثة المتسرّبة إلى الخيشوم، تمنحك سعادة غامرة، وتوازنا نفسيا فطريا، كاحتفاء الرّهبان بمائدة( خبز الوجوه المقدس) في العهد القديم! الثلجةُ الكبيرة في منتصف سبعينات القرن الفارط، فرشت جواعدها ومعاطفها وأذيالها وفراءها فوق السطوح الترابية المخدّدة المتكئة على القناطر وأعواد القُصّيب تحتها، وتمكّنت من التسلل ليلا ولواذا دون حياء على رؤوس أصابع قدميها، ثم أسدلت ستائرها البيضاء السميكة خلف (الكوّة العُلويّة ) لغرفة المعلم الوحيدة، المحاذية للباب الخشبي العتيق، ومدّت فُرُشَها وأغطيتَها الثقيلة في( الحوش) ، أمام الحمام الخارجي بعد أن لطّخت بطلائها الأبيض بابه المكتوب عليه بالخط الزاهي (هدية من الشعب الأمريكي ليس للبيع ولا للمبادلة) وألقت رأسها على مخداتها الصوفية وراحت في سبات عميق إثر عودتها الشاقة من سيبيريا، ولم تقلبْ جَنبا خلف باب الغرفة ثلاث ليال سويا، ولم تكلم الناس إلا رمزا، أما المعلم المحشور فقد نذر لله صوما .
يا الله، ما ألّذ بقايا كيس الشعيريّة مع قليل من السّكر حين يكون الخبز ُمتمنّعا على الجائع!!!. كما أخذته الدهشة والاستغراب من تلك الشّمطاء المُتصابية بشعرها الأشيب المجعّد التي نسيت أن تحمل على كتفيها أرديتها البيضاء وقد رحلت؟!! تحسّس الراديو المُسنّ بجانبه الذي يحمل طفليه الرضيعين على بطنه، بعد أن شدّ وثاقهما جيدا بمطاط سراويل أبيض، وما إنْ فركَ أذن مذياعه حتى صاح بوجهه طلال مداح وبأعلى صوته "وترحل صرختي تذبل في وادي لا صدى يوصل ولا باقي أنين". لم يصل الصّدى والأنين إلا في اليوم الثالث على جلبة بعض المتطوعين بمناسبة يوم (الكريكات والمجارف) العالمي احتفالا بإزالة آثار العدوان الذي هجم بسلاحه الأبيض على القرية .
نشطت سيارة (الروفر الخضراء) التي أحيلت على التقاعد لبلوغها سن الستين من القوات المسلّحة، لتباشر عملها في القطاع الخاص لأحد المستثمرين الذي وجد فيها مصدرا للدخل بوصفها الآلة الوحيدة للنقل بين المدينة والقرية... تراكض حولها الأهالي سعيا لجلب مؤونة ما بعد العاصفة من المدينة، وكم كانت فرحة المعلم كبيرة وسط الزحام، حين أصرّ عليه الركاب أن يجلس بجانب السائق احتراما وتقديرا لمكانة المعلم، فيما هم تقافزوا إلى كراسي الروفر الحديدية الخلفية المتقابلة وجها لوجه.
مدخل المدرسة وعلى الجانبين أشبه بمشتل زراعي ... مساكب ومصاطب وأحواض ومسطحات خضراء، كلّها مزروعة بأيدي المعلمين المغتربين من فلسطين وسائر المحافظات الذين كان لهم الدور الرئيس في التربية والتعليم وتنمية المناطق النائية، ورفدها بالخبرات الضرورية.
لقد صبّوا كل طاقاتهم وأوقات استراحاتهم بعد الدوام في تزيين المدرسة وأعمال الصيانة والزراعة بأنواعها. مدارس الأمس مدارس منتجة، وما يزال ذاك المعلم العشريني ماضيا، والأصلع السّبعينيّ حاضرا، مزهوا بشجرة سرو باسقة أمام غرفة المعلمين، زرعها وتعهدها وسقاها بإبريق الوضوء حتى غدت وارفة الظلال!! كم كانت مدارسنا خضراء! فما الذي دهاها حتى أصبحت جرداء، و غدت جدرانها دفاتر لخطوط رديئة، وتعليقات بذيئة سوداء، حقّا لا يجوز عليها إلا البكاء ؟!!
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |