بقلم عمر الدريني
هل أخطأ الأب وحده؟ حين نبحث عن المسؤول عن القطيعة، قد نكتشف أن كل طرف يرى من الحقيقة ما يؤلمه، وينسى ما يؤلم الآخر في بعض القطيعات العائلية، لا تكون المشكلة أن أحد الطرفين لا يعرف الحقيقة، بل أن كلًّا منهما يعرف الجزء الذي يؤلمه منها، ويظن أن هذا الجزء يكفي لتفسير الحكاية كلها، يستعيد الأب سنوات التعب، والمواقف التي وقف فيها إلى جانب ابنه، والمرات التي تجاوز فيها عن أخطائه، بينما يستعيد الابن كلمات شعر أنها قاسية، وقرارات رأى أنها قيّدت حريته، ومواقف لم يجد فيها من يستمع إليه، ومع مرور الوقت، لا يعود الخلاف مجرد ذكرى مؤلمة، بل يتحول إلى روايتين متعارضتين، يتمسك كل طرف بإحداهما حتى تصبح المصالحة أصعب من أن تبدأ.
فهل أخطأ الأب وحده؟ أم أن الابن مسؤول وحده عن المسافة التي نشأت بينهما؟ ربما يكون السؤال بهذه الصيغة هو أول ما ينبغي مراجعته؛ لأن العلاقات الإنسانية نادرًا ما تختصرها إجابة واحدة، ولأن فهم ما حدث أهم من اختيار طرف نحمّله كل المسؤولية، فليس كل أب على حق لمجرد أنه أب، وليس كل ابن محقًا لمجرد أنه يطالب بحريته، كما أن سنوات المحبة والتضحيات لا تمنح أحدًا حصانة من الخطأ، ولا تجعل ما ارتُكب من أخطاء مبررًا لإلغاء كل ما سبقها من خير.
قد يكون الأب قد بذل الكثير من أجل ابنه، لكنه لم يعرف كيف يعبر عن الحب إلا بالنصح والتوجيه، وربما اعتقد أن خوفه عليه يمنحه الحق في اتخاذ القرارات عنه، أو أن الاعتراض على رأيه دليل على عدم تقدير تضحياته، وقد يكبر الابن وهو يشعر بأن نجاحه لا يُرى إلا حين يوافق توقعات والده، وأن اختلافه سيُفسَّر على أنه جحود، وأن عليه أن يختار بين الاحتفاظ بحريته والمحافظة على رضا أبيه، وفي مثل هذه العلاقة، قد تتحول النصيحة من وسيلة للتقارب إلى مصدر للتوتر، ويتحول الحرص، حين لا ترافقه مساحة للاستماع، إلى شعور بالسيطرة، حتى لو لم تكن تلك نية الأب في الأصل، وفي المقابل، قد يكون الابن قد أساء فهم حرص أبيه، أو ردّ على النصيحة بحدة، أو استخدم استقلاله ذريعة لتجنب كل نقاش، وربما اعتاد أن يتذكر أخطاء والده وينسى ما قدمه له، أو أن يطالب بالتفهم من دون أن يمنح الطرف الآخر فرصة مماثلة، وقد يرفع صوته في لحظة غضب، ثم يتعامل مع الجرح الذي تركه كلامه وكأنه أمر عابر، بينما يظل الأب يستعيده في صمت، وهكذا تتراكم الأخطاء الصغيرة، وتتداخل النيات مع النتائج، حتى تصبح العلاقة أسيرة لتاريخ لا يتذكر كل طرف منه إلا ما يؤلمه. قد يملك الأب حقيقة تؤلمه، ويملك الابن حقيقة تؤلمه؛ لكن المشكلة تبدأ حين يستخدم كلٌّ منهما ألمه لإلغاء ألم الآخر، فالأب الذي يتحدث عن تضحياته قد لا ينتبه إلى أن ابنه يريد منه أن يسمع تجربته، لا أن يذكّره في كل خلاف بما قدمه له، والابن الذي يستعيد قسوة بعض المواقف قد لا ينتبه إلى أن والده، رغم أخطائه، ربما حاول أن يحميه بالطريقة التي عرفها، لا بالطريقة التي كان يحتاج إليها، إن فهم دوافع الطرف الآخر لا يعني تبرير أخطائه، لكنه يساعد على رؤية الصورة كاملة بدلًا من الاكتفاء بالجزء الذي يؤكد صحة موقفنا، ومع ذلك، ليس المطلوب مساواة جميع الأخطاء أو تبرير الإساءة باسم الظروف، فهناك مواقف يكون فيها أحد الطرفين مسؤولًا بوضوح عن الأذى، وهناك علاقات تحتاج إلى حدود تحمي أحد أفرادها من سلوك مؤذٍ ومتكرر، وليس من الإنصاف مطالبة شخص تعرّض للإهانة أو الأذى بأن يتحمل المسؤولية نفسها التي يتحملها من أساء إليه، لمجرد أن العلاقة تجمعهما بقرابة أو أبوة، فالإنصاف الحقيقي يقتضي أن نفهم السياق، وأن نميز بين الاختلاف الطبيعي والإهانة، وبين الحرص والسيطرة، وبين العتاب المشروع والانتقام العاطفي، كما يقتضي أن نعترف بأن بعض العلاقات يمكن إصلاحها بالحوار، فيما تحتاج علاقات أخرى إلى مسافة آمنة أو مساعدة متخصصة قبل التفكير في استعادة التواصل.
وقد تكون الخطوة الأولى نحو الإصلاح أن يتوقف كل طرف عن إعداد دفاعه قبل أن يسمع الآخر، أن يسأل الأب ابنه: «ما الذي جعلك تشعر بأنني لا أفهمك؟»، وأن يسأل الابن أباه: «ما الذي يؤلمك في تصرفاتي؟»، لكن طرح الأسئلة وحده لا يكفي إذا كان الهدف تفنيد الإجابات أو إثبات أن الطرف الآخر يبالغ في وصف ألمه، المطلوب أن يمنح كل منهما الآخر فرصة لشرح تجربته من دون مقاطعة أو سخرية أو استدعاء لكل أخطاء الماضي، فالاستماع ليس موافقة على كل ما يُقال، بل اعتراف بحق الآخر في أن يشرح كيف عاش الموقف، ولماذا ترك فيه ذلك الأثر.
ومن المهم أن يتعلم الأب الاعتراف بخطئه إذا أخطأ، من دون أن يرى ذلك انتقاصًا من مكانته، فالاعتذار لا يسلبه الأبوة، بل يمنح ابنه نموذجًا عمليًا للشجاعة وتحمل المسؤولية، ويؤكد له أن الاحترام لا يتعارض مع الاعتراف بالخطأ. وبالمثل، يحتاج الابن إلى أن يدرك أن الاعتراف بخطئه لا يعني أن كل ما يقوله أبوه صحيح، ولا أنه يتنازل عن استقلاله، بل يعني أنه قادر على تحمل مسؤولية الجزء الذي يخصه، وقد لا يكون الإصلاح ممكنًا ما دام كل طرف ينتظر من الآخر أن يبدأ، أو يربط اعتذاره باعتذار مقابل، أو يتعامل مع التراجع عن موقف خاطئ بوصفه هزيمة شخصية.
وقد لا تعود العلاقة كما كانت تمامًا، وهذا ليس فشلًا بالضرورة، ربما يحتاج الأب والابن إلى علاقة أكثر نضجًا، تقوم على وضوح الحدود واحترام الاستقلال، وعلى تواصل لا تحكمه المخاوف القديمة، وربما يحتاج بعضهما إلى وقت لاستعادة الثقة، لأن الكلمات التي تُقال في لحظة غضب قد تنتهي سريعًا عند قائلها، لكنها تظل حاضرة لدى من تلقاها، وفي حالات أخرى، قد تكون الاستعانة بمختص أسري خطوة ضرورية، خصوصًا عندما تتكرر الخلافات، أو يتحول الحوار إلى تبادل للاتهامات، أو يعجز الطرفان عن إدارة الحديث دون العودة إلى الجروح نفسها.
ليست الشجاعة أن يثبت الأب أنه لم يخطئ، ولا أن يثبت الابن أنه لم يعد بحاجة إلى أبيه؛ الشجاعة أن يعترف كل منهما بما يستطيع تغييره، وأن يتوقفا عن انتظار الكمال من بعضهما، فالعلاقة لا تُصلحها التضحيات القديمة وحدها، كما لا تُنهيها الخلافات بالضرورة، وإنما تتأثر بما يفعله الطرفان اليوم: هل يحاولان فهم ما حدث، أم يواصلان استخدام الماضي لإثبات استحالة التفاهم؟ قد لا نملك تغيير ما حدث في الماضي، لكننا نملك ألّا نسمح له بتحديد ما تبقى من العلاقة، فليس المطلوب أن يخرج الأب منتصرًا، أو أن يثبت الابن أنه كان محقًا في كل شيء؛ المطلوب أن يجد كل منهما شجاعة الاعتراف بما أخطأ فيه، وأن يمنح الآخر فرصة ليُسمَع دون أن يُدان مسبقًا، فأحيانًا لا تبدأ المصالحة حين نعرف من أخطأ أولًا، بل حين نتوقف عن استخدام أخطاء بعضنا دليلًا على استحالة الإصلاح.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |