زيت الزيتون في الأردن: بين ارتفاع الأسعار والغش التجاري وضرورة استعادة ثقافة الإنتاج


رم -

بقلم: علاء علي محمد الحويزان.

"حين يصبح خير الأرض عبئًا على أهلها" ارتبطت شجرة الزيتون بالأرض الأردنية ارتباطًا وثيقًا، حتى غدت رمزًا للأصالة والبركة، ومصدرًا للغذاء والرزق، وإرثًا زراعيًا توارثته الأجيال. وكان الأردنيون يحرصون على زراعة أشجار الزيتون والعناية بها وقطف ثمارها وعصرها، لتأمين مؤونتهم السنوية من الزيت البلدي، في ثقافة إنتاجية جمعت بين الاكتفاء الأسري والارتباط بالأرض. لكن هذه الثقافة أخذت تتراجع لدى شريحة من المواطنين، فأصبح كثيرون يعتمدون على شراء زيت الزيتون من الأسواق بدل إنتاج مؤونتهم بأنفسهم.

 

ومع تزايد الاعتماد على الشراء، اتسعت شريحة المستهلكين الذين يتأثرون مباشرة بتقلبات الأسعار، وأصبح تأمين تنكة الزيت عبئًا ماليًا متزايدًا على بعض الأسر، لا سيما حين يقترن ارتفاع الأسعار بمخاوف الغش والتلاعب بمصدر الزيت وجودته.

 

ومن هنا، لم تعد القضية مجرد ارتفاع موسمي في أسعار سلعة غذائية، بل أصبحت قضية تتصل بالأمن الغذائي، وحماية المستهلك، ودعم الإنتاج المحلي، وتنظيم الأسواق، وإحياء ثقافة زراعية أصيلة تستحق أن تستعيد مكانتها في المجتمع الأردني. أولًا: لماذا تتكرر أزمة الأسعار كل موسم؟ تتأثر أسعار زيت الزيتون بعوامل متعددة، منها حجم المحصول، والظروف المناخية، وكلفة القطاف والعصر والنقل، وأسعار مستلزمات الإنتاج، وحجم الطلب المحلي، فضلًا عن حركة التصدير والاستيراد.

 

غير أن هذه العوامل لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتغليب المصالح التجارية على حساب المستهلك. فحين ترتفع الأسعار بصورة غير مبررة، أو تظهر مؤشرات على حجب الكميات بقصد التأثير في السوق، يصبح من واجب الجهات المختصة التحقيق والتحقق من وجود ممارسات مخالفة لقواعد المنافسة. ومن الضروري التمييز بين التخزين التجاري المشروع والاحتكار المخالف للقانون؛ فليس كل تاجر يحتفظ بمخزون يمارس الاحتكار، كما أن ارتفاع السعر وحده لا يثبت وجود تلاعب. لكن ترك السوق دون معلومات واضحة عن الإنتاج والمخزون والأسعار يضعف القدرة على اكتشاف المخالفات، ويترك المجال للشائعات والمضاربة والإضرار بالمستهلكين.

 

ثانيًا: استيراد الزيت التونسي.. تجربة تستحق التطوير شكّل طرح زيت الزيتون التونسي عبر المؤسسات الاستهلاكية المدنية والعسكرية، ضمن التدخلات الحكومية في الموسم السابق، خطوة عملية لتوفير بديل للمواطن الأردني، وتعزيز المنافسة في السوق المحلية. ولا ينبغي النظر إلى هذه التجربة بوصفها حلًا استثنائيًا ينتهي بانتهاء الأزمة، بل باعتبارها أداة يمكن تفعيلها وفق مؤشرات واضحة تتعلق بحجم المحصول، والكميات المتاحة، والأسعار، واحتياجات الاستهلاك المحلي.

 

ويمكن للحكومة تطوير هذا النهج من خلال وضع خطة مسبقة للاستيراد عند الحاجة، وتنويع مصادر التوريد، وإخضاع المنتجات المستوردة للفحوصات اللازمة، وبيعها عبر منافذ موثوقة بأسعار معلنة. وفي المقابل، يجب أن يبقى الاستيراد مدروسًا ومتوازنًا، فلا يتحول إلى منافسة تضر بالمزارع الأردني حين يكون الإنتاج المحلي وفيرًا. فالغاية هي توفير بدائل عادلة للمستهلك، لا إضعاف المنتج الوطني.

 

ثالثًا: مكافحة الاحتكار تبدأ من شفافية السوق إن مواجهة الممارسات الاحتكارية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بوجود بيانات دقيقة ورقابة فعالة وتطبيق للقانون. ولذلك، من الضروري إنشاء مرصد وطني لزيت الزيتون، بمشاركة الجهات الحكومية المختصة، يتولى تقدير الإنتاج المتوقع، ورصد الكميات المتاحة والمخزنة والمستوردة والمصدرة، ونشر مؤشرات دورية عن الأسعار وتطورات السوق. كما ينبغي تعزيز التحقيق في أي اتفاقات أو ممارسات يثبت أنها تهدف إلى تقييد المنافسة أو التحكم بالمعروض، وتطبيق التشريعات النافذة بحق المخالفين، مع احترام حقوق التجار الملتزمين وحماية التخزين المشروع.

 

ويمكن كذلك إطلاق منصة وطنية تتيح للمواطن مقارنة الأسعار والتعرف إلى منافذ البيع الموثوقة، وتقديم الشكاوى المتعلقة بالأسعار المضللة أو الممارسات التجارية المخالفة. إن السوق التي تتوافر عنها المعلومات تكون أقل عرضة للتلاعب، ويصبح فيها اتخاذ القرار الحكومي أكثر دقة، وتزداد قدرة المستهلك على الاختيار الواعي.

 

رابعًا: الغش في زيت الزيتون.. خطر على المستهلك وسمعة المنتج الأردني لا تقل مشكلة الغش خطورة عن ارتفاع الأسعار؛ فالمستهلك قد يدفع ثمن زيت على أساس أنه بلدي أردني أصيل، ثم يتبين أنه مغشوش أو مخلوط أو معروض ببيانات مضللة بشأن منشئه أو تصنيفه. وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة منظومة رقابية تتجاوز الحملات الموسمية، وتقوم على تتبع المنتج من مصدره إلى نقطة البيع، وتكثيف الفحوصات المخبرية، والتحقق من بيانات المنشأ والجودة، ومحاسبة من يثبت تورطه في الغش وفق القانون. ومن أبرز الإجراءات المقترحة:

- إنشاء نظام تتبع للمنتجات التجارية يربط كل دفعة بمعصرتها ومصدرها وتاريخ إنتاجها وبيانات تعبئتها.

  • تكثيف أخذ العينات من المعاصر والمستودعات والأسواق، وإخضاعها للفحوصات الفنية المعتمدة.
  • - توفير سجل إلكتروني للمعاصر والمنشآت الملتزمة بالمتطلبات القانونية والفنية، مع استمرار الرقابة عليها. - إلزام البائعين بإظهار بلد المنشأ والتصنيف والوزن والسعر بصورة واضحة، ومنع أي ادعاء مضلل بشأن جودة الزيت.
  • - تشديد الإجراءات والعقوبات المقررة على الغش المثبت، وسحب المنتجات المخالفة وفق الأصول القانونية. ومن المهم ألا يعتمد المستهلك على اللون أو الرائحة وحدهما للحكم على أصالة الزيت؛ فالتأكد من الغش أو التصنيف يتطلب وسائل فنية ومخبرية مناسبة.
  • خامسًا: إحياء ثقافة زراعة الزيتون.. من الاستهلاك إلى الإنتاج لعل من الجوانب التي تستحق اهتمامًا خاصًا تراجع ثقافة زراعة الزيتون والاعتماد على الإنتاج الأسري، وهي ثقافة كانت حاضرة بقوة في حياة الأردنيين. فقد اعتادت أسر كثيرة أن تزرع أشجار الزيتون في أراضيها، وتعتني بها طوال العام، ثم تشارك في قطف الثمار ونقلها إلى المعاصر، لتعود بمؤونتها السنوية من الزيت الذي أنتجته بنفسها.
  • أما اليوم، فقد أصبح كثير من المواطنين يعتمدون على شراء الزيت من الأسواق، سواء بسبب تراجع المساحات المتاحة للزراعة، أو تغير أنماط الحياة والسكن، أو ارتفاع كلفة العناية بالأشجار والقطاف والعصر، أو عدم توافر الوقت والقدرة على متابعة الإنتاج. وهذا التحول لا يعني أن شراء الزيت أمر سلبي بحد ذاته، لكنه يزيد عدد الأسر المعتمدة على السوق، ويجعلها أكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار وتقلبات المعروض، كما يقلل من فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي الأسري لدى القادرين على الزراعة.
  • ومن هنا، فإن استعادة هذه الثقافة تستحق أن تكون جزءًا من السياسة الزراعية الوطنية، من خلال:
  • - تشجيع زراعة الزيتون في الأراضي المناسبة: عبر برامج إرشادية ودعم فني يساعدان المواطنين والمزارعين على اختيار الأصناف الملائمة للظروف المناخية والمائية.
  • - دعم المزارع المنزلية والأسرية: وتشجيع زراعة أشجار الزيتون في الأراضي الخاصة والريفية حيثما توافرت الظروف المناسبة، مع مراعاة محدودية المياه.
  • - تسهيل وصول صغار المنتجين إلى المعاصر: من خلال تنظيم خدمات العصر وتوفير المعلومات عن الكلف والمواعيد والمرافق المتاحة.
  • - إطلاق حملات توعية مدرسية ومجتمعية: تعرّف الأجيال بأهمية شجرة الزيتون، وتربطها بالإنتاج المحلي والأمن الغذائي والتراث الزراعي الأردني.
  • - دعم الجمعيات التعاونية: لتوفير خدمات مشتركة للقطاف والنقل والعصر والتسويق، بما يخفف الكلفة عن الأسر والمزارعين الصغار. ولا يعني ذلك أن زراعة شجرة أو بضع شجرات ستعالج وحدها أزمة الأسعار، وإنما أن توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، ولو على مستوى الأسر القادرة على ذلك، يمكن أن يعزز ثقافة الاعتماد على الذات، ويخفف جزءًا من الطلب على السوق، ويحافظ على الصلة بين المواطن وأرضه.
  • سادسًا: فتح منافذ مباشرة بين المزارع والمستهلك من الحلول العملية تقليل حلقات الوساطة غير الضرورية، عبر إنشاء أسواق موسمية لزيت الزيتون الأردني، تتيح للمزارعين والمعاصر المرخصة بيع منتجاتهم مباشرة إلى المواطنين. ويمكن للحكومة والبلديات والمؤسسات الاستهلاكية والجمعيات الزراعية التعاون على إقامة هذه الأسواق، وتنظيم البيع فيها وفق معايير واضحة للجودة والتعبئة والتسعير.
  • كما يمكن إنشاء منصة إلكترونية تجمع المنتجين الموثوقين، وتعرض الأسعار والكميات ومواقع البيع، بما يتيح للمستهلك المقارنة بين الخيارات المتاحة، ويساعد المزارع على الوصول إلى المشترين دون الاعتماد الكامل على الوسطاء. ولا يستهدف هذا التوجه إقصاء التجار، بل زيادة المنافسة وتوسيع خيارات البيع، بحيث يستفيد المزارع من عائد أفضل، ويحصل المستهلك على فرصة شراء أكثر شفافية.
  • سابعًا: أسعار استرشادية تحمي المستهلك دون الإضرار بالمزارع من المفيد أن تنشر الجهات المختصة نشرة دورية للأسعار الاسترشادية، تراعي كلفة الإنتاج والنقل والتعبئة، ودرجة الزيت وجودته، وحجم العبوة، وظروف العرض والطلب. وتساعد هذه النشرة المواطنين على مقارنة الأسعار، وتمنح الجهات الرقابية مرجعًا أوليًا لتحديد الفروق التي تستدعي التحقق، دون أن تعني بالضرورة فرض سعر موحد على جميع المنتجات. أما التدخل السعري الملزم، فيجب أن يستند إلى صلاحية قانونية واضحة، ودراسة اقتصادية، ومراعاة أثره على استمرارية التوريد والإنتاج. فالسياسة المتوازنة لا تكتفي بتخفيض السعر على المستهلك، بل تحرص أيضًا على ألا يُجبر المزارع على البيع بأقل من كلفته بصورة تهدد استمراره في الزراعة.
  • ثامنًا: خطة وطنية متكاملة لمسؤوليات واضحة تحتاج معالجة الملف إلى خطة مستمرة لا تقتصر على موسم القطاف، ويمكن توزيعها على ثلاث مراحل: - قبل الموسم: تقدير الإنتاج المتوقع، ورصد المخزون، وتحديد احتياجات السوق، والاستعداد للتدخل عند الضرورة.
  • - أثناء الموسم: مراقبة الأسعار والكميات، ومكافحة الغش، وتوفير منافذ البيع المباشر، وتفعيل الاستيراد المدروس عند الحاجة.
  • - بعد الموسم: تقييم النتائج، وتحليل الشكاوى والمخالفات، وقياس أثر الإجراءات على أسعار المستهلك وعوائد المزارعين، وتطوير الخطة للموسم التالي. وتتولى كل جهة مسؤولياتها وفق اختصاصها؛ فتتابع وزارة الزراعة الإنتاج والإرشاد الزراعي، وتعمل وزارة الصناعة والتجارة والتموين ضمن صلاحياتها في الأسواق والمنافسة وحماية المستهلك، وتوفر المؤسسات الاستهلاكية بدائل موثوقة، بينما تضطلع الجهات الرقابية والمختبرات بمهام التحقق من الجودة ومكافحة الغش.
  • أخيراً: حماية زيت الزيتون تبدأ بحماية منظومة إنتاجه إن زيت الزيتون الأردني ليس مجرد منتج موسمي، بل ثروة زراعية وتراث اجتماعي ومصدر رزق لآلاف الأسر. وحمايته تتطلب معالجة ارتفاع الأسعار والغش التجاري، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي وإحياء ثقافة زراعة الزيتون والاعتماد على الذات.
  • لقد أثبتت تجربة توفير الزيت المستورد عبر المؤسسات الاستهلاكية أن تدخل الدولة يمكن أن يفتح خيارات إضافية أمام المواطنين. لكن الحل المستدام يتطلب أكثر من ذلك: سوقًا شفافة، ورقابة فعالة، ومنافسة عادلة، ومنافذ بيع مباشرة، ودعمًا حقيقيًا للمزارعين، وتشجيعًا للأسر القادرة على العودة إلى زراعة أشجار الزيتون والعناية بها. فليس المطلوب أن يبقى المواطن أسيرًا لأسعار السوق في كل موسم، ولا أن يُحمَّل المزارع كلفة الحلول على حساب رزقه، وإنما أن تقوم منظومة عادلة تضمن للمزارع عائدًا منصفًا، وللمستهلك سعرًا معقولًا، وللتاجر الملتزم منافسة نزيهة، وللمنتج الأردني جودة تصون سمعته. إن استعادة مكانة شجرة الزيتون في حياة الأردنيين، إلى جانب تنظيم سوق الزيت ومكافحة الغش والاحتكار المخالف للقانون، ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مشروع وطني يحفظ خير الأرض، ويعزز الأمن الغذائي، ويصون إرثًا زراعيًا يستحق أن ينتقل إلى الأجيال القادمة.



عدد المشاهدات : (653)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :