رم - المستشار الإعلامي جميل سامي القاضي
بداية لا بد من قراءة استراتيجية عميقة لما يجري من تصعيد في اليمن، فالأمن العربي لا تحميه التحليلات وحدها، ولا تكفي معه ردود الفعل المتأخرة ، وما يشهده اليمن اليوم ليس مجرد أزمة داخلية أو صراع محلي، بل هو حلقة في سلسلة ممتدة من التوترات الإقليمية التي تمس جوهر الأمن القومي العربي برمته. ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة تتطلب وضع التصعيد في إطاره الإقليمي الأوسع، والربط العضوي بين أمن المملكة العربية السعودية ومضيق هرمز وباب المندب، بوصفها حلقات متصلة في معادلة واحدة لا تقبل التجزئة.
إن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس الصواريخ والطائرات المسيرة وحدها، بل تحول الجغرافيا العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، وتحويل الممرات البحرية وشرايين الطاقة إلى أدوات للضغط والابتزاز السياسي فحين يستنزف بلد عربي، لا تبقى الخسارة محصورة في حدوده ، بل تمتد آثارها إلى مجمل التوازن العربي، وتتسع دائرة الفوضى لتشمل الجوار القريب والبعيد.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية بتحويل الجغرافيا من عامل قوة إلى عامل ضعف، ومن رصيد استراتيجي إلى عبء أمني فالممرات البحرية التي طالما كانت شريان التجارة العالمية وأوعيه الطاقة، أصبحت اليوم ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وورقة ضغط تستخدم ضد الدول العربية في أي لحظة وهذا التحول لا يهدد دولة بعينها ، بل يهدد المنظومة الإقليمية بأكملها.
مع ذلك، فإن مواجهة هذا التحدي لا تكون بالاكتفاء بوصف الحوثيين بأنهم أداة إيرانية، ولا بمجرد الدعوة إلى استنزافهم عسكريا ، فالتوصيف وحده لا يصنع سياسة، والدعوة إلى الحرب دون رؤية شاملة لا تصنع سلاما ، إن المطلوب هو فهم جذور الأزمة اليمنية بعمقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، والعمل على استعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة والسلاح، وتجفيف مصادر التسلح والتمويل.
كل ذلك يجب أن يجري ضمن استراتيجية عربية متكاملة لا تجعل الحرب غاية بحد ذاتها، بل تجعل استعادة الاستقرار والسيادة هدفها النهائي. فالحرب التي لا تفضي إلى سلام دائم هي هزيمة مؤجلة، والسلام الذي لا يستند إلى قوة ردع هو وهم مؤقت.
أما إيران، فإن التعامل مع سياساتها الإقليمية يجب أن يستند إلى الوقائع والمعلومات الموثوقة، لا إلى الافتراضات وحدها، ولا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي واحتمالات توظيف التصعيد الإقليمي لكسب الوقت. فالتقدير الاستراتيجي الرصين يميز بين ما هو ثابت، وما هو محتمل، وما يزال في دائرة السيناريوهات، حتى لا تتحول المخاوف إلى حقائق في الخطاب السياسي، ولا يتحول التحليل إلى أداة لتبرير سياسات لم تدرس بعمق.
إن القراءة المتوازنة لسلوك إيران الإقليمي تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات وهي مستوى القوة الذاتية القابلة للقياس، ومستوى النفوذ غير المتماثل القائم على الوكلاء، ومستوى الاستثمار في الفوضى كأداة لتعطيل الخصوم. والتعامل مع هذه المستويات يحتاج إلى أدوات مختلفة تتمثل في ردع عسكري متين، وضغط دبلوماسي منسق، وتفكيك تدريجي لشبكات الوكلاء، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة لا يريدها أحد.
والسعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي واقتصادي، ليست وحدها المعنية بأمن البحر الأحمر أو الخليج ، فالأردن أيضا، بحكم موقعه الجغرافي وارتباط أمنه باستقرار الإقليم، معني بكل ما يجري حول الممرات البحرية ومصادر الطاقة وموازين القوى. ومن هنا، فإن التضامن مع المملكة ليس موقفا عاطفيا عابرا، بل مصلحة عربية مشتركة تفرض تنسيقا سياسيا وأمنيا واقتصاديا حقيقيا .
إن الأردن، بموقعه على خط التماس مع أكثر من ملف إقليمي، يدرك أكثر من غيره أن الأمن لا يتجزأ، وأن ما يحدث في اليمن أو الخليج أو البحر الأحمر ينعكس على أمنه الداخلي وحدوده واستقراره ومن ثمّ، فإن ربط أمن الأردن بأمن الخليج ليس ترفا تحليليا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بوضوح: أين المشروع العربي المقابل للمشاريع الإقليمية؟ أين منظومة الأمن العربي المشترك؟ وأين التنسيق الفعلي في الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، وحماية الملاحة، وتأمين خطوط الطاقة؟
ولماذا نظل نتحرك في كثير من الأحيان بعد وقوع الأزمات، بدلا من بناء قدرة عربية تمنع نشوءها أو تحد من آثارها؟ ولماذا لا تزال الدول العربية تتعامل مع كل أزمة وكأنها حدث منفصل، لا حلقة في سلسلة واحدة تستهدف الأمن العربي برمته؟
إنّ منظومة الأمن العربي المشترك لا تعني بالضرورة حلفا عسكريا على غرار الناتو، بل تعني قبل ذلك إرادة سياسية موحدة، ورؤية استراتيجية واضحة، وأدوات تنفيذية قابلة للتطبيق وتعني أن يكون هناك مركز عربي لتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومنظومة دفاع جوي متكاملة، وقوة بحرية مشتركة لحماية الملاحة، وآلية لاتخاذ القرار السريع وهذه كلها ممكنة إذا توفرت الإرادة، لأن ما ينقصنا ليس القدرات، بل التنسيق.
إن أمن السعودية من أمن العرب، وأمن الأردن من أمن محيطه العربي، وأمن الخليج والبحر الأحمر ليسا ملفين منفصلين عن الأمن القومي العربي. ولا يجوز أن تبقى الدول العربية في موقع رد الفعل، بينما يخطط الآخرون ويوظفون الجغرافيا والسلاح والتحالفات لتحقيق مصالحهم.
إنّ الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل يتطلب قرارا سياسيا شجاعا، وثقة متبادلة بين الدول العربية، وإدراكا بأن الخلافات الثانوية لا يجوز أن تحجب المخاطر الكبرى. فالأخطار التي تهدد الأمن العربي اليوم لا تفرق بين دولة وأخرى، ولا تنتظر تسوية الخلافات البينية لتبدأ عملها.
وخلاصة القول: لا حرب مفتوحة ولا سلام هش لا نريد حربا مفتوحة تستنزف الشعوب والدول، ولا نريد سلاما هشا تفرضه الميليشيات بقوة السلاح وإنما نريد دولة وطنية قوية، وقرارا عربيا مستقلا، وردعا يحمي السيادة، ودبلوماسية تفتح أبواب الحلول دون التفريط بالحقوق والثوابت.
فالمطلوب اليوم أن ننتقل من تشخيص المخاطر إلى بناء استراتيجية عربية قادرة على مواجهتها لأن الأمم لا تحميها قوة السلاح وحدها، بل تحميها أيضا وحدة القرار، ووضوح الرؤية، والقدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى فعل مشترك وهذه ليست دعوة للعداء مع أحد، بل دعوة لاستعادة المبادرة العربية في إدارة بيئتها الإقليمية، وصياغة أمنها المشترك، وحماية مستقبل أجيالها القادمة.