الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تُختبر كفاءة الإدارة الحقيقية عندما تتعقد الظروف، وتتناقص الموارد، وتتزاحم الأولويات، وتصبح القرارات أكثر صعوبة. ففي الظروف الاعتيادية، تستطيع معظم المؤسسات المحافظة على سير أعمالها، لكن الفروق الجوهرية بين النماذج الإدارية تظهر عندما تواجه المؤسسة تحديًا غير مألوف، أو تتطلب المرحلة تغييرًا في أساليب العمل.
وهنا يتضح أن الإدارة ليست مجرد ممارسة للصلاحيات، وإنما قدرة على التفكير والتنظيم والتأثير وتحمل المسؤولية وصناعة النتائج. لقد تطور الفكر الإداري عبر مدارس متعددة، قدمت كل منها تصورًا مختلفًا لطبيعة المؤسسة وعلاقتها بالعاملين والموارد والبيئة المحيطة. فقد ركز فريدريك تايلور على الكفاءة وتنظيم العمليات، ووضع هنري فايول مبادئ التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، بينما كشفت مدرسة العلاقات الإنسانية، المرتبطة بإلتون مايو، أهمية العلاقات الاجتماعية والدافعية في بيئة العمل.
ثم جاء بيتر دراكر ليؤكد أن قيمة الإدارة ترتبط بتحقيق الأهد اف والنتائج، وليس بمجرد ممارسة الأنشطة. غير أن هذه المدارس، رغم اختلاف منطلقاتها، تلتقي عند حقيقة أساسية مفادها أن المؤسسة لا تتقدم بكفاءة الأفراد وحدها، بل بقدرتها على تنظيم جهودهم ضمن منظومة واضحة من المسؤوليات والصلاحيات والأهداف.
ومن أبرز أبجديات الإدارة التمييز بين السلطة والقيادة. فالسلطة تستمد مشروعيتها من الموقع التنظيمي، أما القيادة فتكتسب تأثيرها من الكفاءة والثقة والقدرة على الإقناع. وقد يستطيع المدير إلزام العاملين بتنفيذ تعليماته، لكنه لا يستطيع فرض الإبداع أو الانتماء أو المبادرة بقرار إداري. هذه القيم تنمو عندما يشعر العاملون بالعدالة والتقدير، ويدركون أن أفكارهم تحظى بالاهتمام وأن جهودهم تترك أثرًا ملموسًا.
وتقدم تجربة شركة تويوتا اليابانية مثالًا مهمًا على الإدارة القائمة على التحسين المستمر، أو ما يعرف بمفهوم «كايزن». فقد أصبح اكتشاف المشكلات ومعالجتها جزءًا من ثقافة العمل، مع تشجيع العاملين على اقتراح تحسينات في العمليات الإنتاجية.
وتكشف هذه التجربة أن الإدارة الفاعلة لا تنتظر تراكم الأخطاء حتى تتدخل، بل تبني آليات لاكتشافها مبكرًا، وتحليل أسبابها، ومنع تكرارها. وفي المقابل، تظهر الإدارة البيروقراطية عندما تتحول الإجراءات من أدوات لتنظيم العمل إلى غايات قائمة بذاتها. فقد تتأخر معاملة بسيطة بين أقسام متعددة، رغم امتلاك المؤسسة الموارد والصلاحيات اللازمة لإنجازها.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود الأنظمة، وإنما في طريقة تفسيرها وتطبيقها، وغياب التنسيق بين المسؤولين عن تنفيذها. فالإجراء الجيد ينبغي أن يحمي العدالة ويضمن الدقة دون أن يفرض تعقيدًا غير ضروري. ومن النماذج المعاصرة الإدارة بالأهداف، التي تجعل النتائج المحددة أساسًا للتخطيط والمساءلة. فإذا أرادت شركة خدمات تحسين أدائها، فلا يكفي الإعلان عن تطوير خدمة العملاء، بل ينبغي تحديد مؤشرات واضحة، مثل تخفيض متوسط زمن الاستجابة من 48 ساعة إلى 12 ساعة، أو رفع نسبة معالجة الشكاوى من المرة الأولى إلى 90%.
وهذه الأرقام أهداف افتراضية توضح كيف تتحول النوايا العامة إلى التزامات يمكن متابعتها وتقييمها. وتبرز كذلك الإدارة الرشيقة التي تقوم على إزالة الأنشطة غير الضرورية، وتقليل الهدر، وتحسين تدفق العمل. ففي شركة لوجستية، قد يكون الحل لبطء تسليم الطلبات إعادة تنظيم مسارات التوزيع وتبادل المعلومات بين المستودعات والسائقين، بدلًا من شراء مركبات إضافية.
وهذا المثال يوضح أن زيادة الموارد ليست دائمًا المدخل الأفضل لتحسين الأداء، وأن حسن استخدام الموجود قد يحقق نتائج أسرع وأقل تكلفة. أما الإدارة الموقفية، فتنطلق من أن الأسلوب القيادي الناجح يتغير بحسب طبيعة المهمة وخبرة العاملين والظروف المحيطة.
ففي حالات الطوارئ الصناعية، قد تتطلب السلامة قرارات مركزية سريعة وتعليمات حاسمة، بينما تحتاج فرق البحث والتطوير إلى مساحة أوسع للتجريب والاستقلالية. والقيادة الناضجة هي التي تعرف متى توجه، ومتى تفوض، ومتى تتدخل، ومتى تتيح للآخرين فرصة اتخاذ القرار. وتقدم تجربة التحول الثقافي في شركة مايكروسوفت، منذ تولي ساتيا ناديلا قيادتها عام 2014، مثالًا على أهمية التعلم والتعاون والانفتاح على التغيير. فقد ارتبطت توجهاتها الإدارية بتشجيع عقلية النمو وتطوير العمل المشترك، في بيئة تكنولوجية تتطلب تجديدًا مستمرًا للمعرفة والمنتجات.
وتؤكد هذه التجربة أن تحديث الاستراتيجيات والهياكل لا يحقق أثره الكامل ما لم يترافق مع تطوير الثقافة التنظيمية. ومن الجوانب التي لا تقل أهمية إدارة الخلاف المؤسسي. فالاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية، وقد يكون مصدرًا لتحسين القرارات عندما يُدار بمهنية. أما حين يتحول إلى صراع شخصي أو تنافس على النفوذ، فإنه يستنزف الموارد ويضعف الثقة.
وتتميز الإدارة الرشيدة بقدرتها على الفصل بين الأشخاص والأفكار، وتشجيع النقد المبني على الأدلة، وحسم الخلاف وفق معايير موضوعية بعيدًا عن المجاملة أو الإقصاء. ويأتي التفويض بوصفه اختبارًا آخر لنضج القيادة. فالمدير الذي يحتفظ بجميع القرارات قد يعتقد أنه يضمن جودة العمل، لكنه قد يصبح سببًا في إبطاء المؤسسة وإضعاف قدرات فريقه.
أما التفويض المنظم، فيقوم على تحديد الصلاحيات والنتائج المتوقعة وآليات المتابعة، بما يسمح للعاملين باتخاذ القرارات المناسبة دون الإخلال بالمساءلة. ولا يعني التفويض التخلي عن المسؤولية، وإنما توزيع القدرة على الإنجاز مع المحافظة على وحدة التوجه المؤسسي. وتظل الأخلاقيات الإدارية أساسًا لا يمكن الاستغناء عنه. فالكفاءة دون نزاهة قد تحقق مكاسب مؤقتة على حساب الثقة والاستدامة، والسلطة دون عدالة قد تنتج امتثالًا ظاهريًا يخفي ضعف الانتماء.
ولهذا فإن الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام العاملين والالتزام بالمعايير المهنية ليست قيمًا تجميلية، بل شروط عملية لبناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والتطور. ومع تسارع التحول الرقمي، أصبحت الإدارة مطالبة بالانتقال من القرارات القائمة على الانطباعات إلى القرارات المدعومة بالبيانات. لكن امتلاك أنظمة معلومات متقدمة لا يضمن بالضرورة جودة القرار؛ فقد تتوافر البيانات وتغيب القدرة على تفسيرها، أو تُستخدم المؤشرات لإظهار النجاحات وإخفاء جوانب القصور.
ولذلك ينبغي أن تقترن التكنولوجيا بثقافة مؤسسية تسمح بمراجعة النتائج والاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار. إن المؤسسات الناجحة لا تخلو من المشكلات، لكنها تختلف في سرعة اكتشافها وطريقة التعامل معها وقدرتها على التعلم منها. ولا توجد مدرسة إدارية واحدة تصلح لجميع الظروف، فالإدارة الفاعلة تستفيد من الانضباط الذي قدمته المدارس الكلاسيكية، ومن البعد الإنساني في نظريات السلوك التنظيمي، ومن التركيز على النتائج في الإدارة الحديثة، ومن المرونة التي تتطلبها بيئات العمل المتغيرة. وتبقى أبجديات الإدارة، مهما تطورت أدواتها، مرتبطة بأسئلة بسيطة وعميقة:
هل يعرف كل فرد مسؤوليته؟ هل تتناسب الصلاحيات مع حجم التكليف؟ هل تُتخذ القرارات في الوقت المناسب؟ هل يُكافأ الإنجاز وتُعالج الأخطاء بعدالة؟ وهل تصبح المؤسسة أكثر كفاءة وقدرة على الاستمرار بمرور الوقت؟ إن الإدارة الناجحة لا تُعرف بما يقوله المسؤولون عن مؤسساتهم، بل بما يستطيع العاملون إنجازه، وما يلمسه المستفيدون من جودة، وما تتركه القرارات من أثر مستدام. فالمؤسسة الناضجة هي التي تجعل المسؤولية ثقافة، والعدالة ممارسة، والتطوير عادة، والإنجاز معيارًا للحكم على الأداء، بعيدًا عن الأشخاص والمواقع والمظاهر.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |