بقلم: علاء علي محمد الحويزان
"التين الزراقي.. إرث الأرض وعبق التاريخ" ليس كل ما تجود به الأرض الأردنية مجرد محصول زراعي، فبعض ثمارها يحمل في مذاقه حكاية المكان، وفي أشجاره ذاكرة الأجيال، وفي قيمته امتدادا لإرث زراعي يستحق أن يُصان ويُورَّث.
ومن هذه الثمار التين الزراقي، أو الأزراقي، المعروف محليا بنفط بني عبّاد والذهب الأسود، لما يتمتع به من جودة مميزة وقيمة تسويقية تستحق مزيدا من الاهتمام والرعاية. ويرتبط هذا الصنف تاريخيا وجغرافيا بمنطقة غرب عمّان، ولا سيما وادي السير وعراق الأمير وماحص، وهي مناطق عريقة ارتبطت بأرض بني عبّاد وبساتينهم، وظلت أشجار التين فيها شاهدة على علاقة الإنسان الأردني بأرضه، وعلى خبرة زراعية توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل. "عراق الأمير..
بساتين التين وشهادة التاريخ" تُعد عراق الأمير من أبرز المناطق المرتبطة بزراعة التين في محيط العاصمة عمّان، وتشير المعلومات المتداولة إلى وجود نحو 700 دونم مزروعة بالتين في المنطقة، وهو ما يعكس أهمية هذا المحصول في النشاط الزراعي المحلي، وما يمكن أن يمثله من مصدر دخل للمزارعين إذا ما حظي بالعناية اللازمة.
ولعل ما يلفت الانتباه أن الرحالة البريطانية جيرترود بيل، خلال رحلتها في المنطقة عام 1900، وصفت مشاهد طبيعية من وادي السير، تحدثت فيها عن الوادي الأخضر وأشجار البلوط وطواحين المياه والبيوت والساحات التي تحيط بها أشجار التين.
ويقدم هذا الوصف التاريخي قرينة على حضور أشجار التين في المشهد الزراعي للمنطقة منذ قرون. وهكذا، فإن التين في هذه البقعة ليس مجرد محصول موسمي، بل جزء من مشهد زراعي متجذر في ذاكرة المكان، ومن هوية ريفية تستحق التوثيق والحماية.
"لماذا سُمّي الذهب الأسود لبني عبّاد؟" لم يأتِ وصف هذا التين بالذهب الأسود من فراغ في الوجدان المحلي؛ فهو محصول يرتبط بجودة الثمرة، ومكانتها بين الأصناف المعروفة في المنطقة، وما يمكن أن يحققه من عائد اقتصادي للمزارعين. ومن هنا اكتسب اسمه المتداول، تعبيرا عن قيمته وأهميته، لا عن لونه فحسب.
إن المحافظة على هذا الصنف وتطوير زراعته تعني المحافظة على مورد زراعي محلي ذي خصوصية، وتعزيز حضور المنتجات الأردنية المميزة في الأسواق. كما أن التعريف به وتسويقه بصورة احترافية قد يفتحان أمامه فرصا أوسع، تتجاوز حدود البيع التقليدي داخل المنطقة.
"وزارة الزراعة أمام مسؤولية دعم هذا المنتج الوطني" إن ما يستحقه التين الزراقي اليوم هو الانتقال من الاعتزاز به إلى العمل الجاد على تطويره. وهنا تبرز أهمية دور وزارة الزراعة في وضع هذا المحصول ضمن المنتجات المحلية التي تستحق الدراسة والرعاية، بالتعاون مع المزارعين والجهات المعنية بالتسويق والتصنيع الغذائي. ويبدأ ذلك بحصر المساحات المزروعة، وتوثيق الأصناف المحلية وخصائصها، ودراسة احتياجاتها المائية والإنتاجية، ثم تقديم الدعم الفني والمالي الممكن للمزارعين، ومساعدتهم في مواجهة تكاليف الإنتاج وتحديات التسويق.
كما أن توفير المياه اللازمة للري، وفق حلول مستدامة تتناسب مع طبيعة المنطقة ومواردها، يمثل عاملا مهما في استقرار الإنتاج والمحافظة على الأشجار، ولا سيما في ظل شح المياه الذي يفرض على القطاع الزراعي الأردني تحديات متزايدة. ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام على زيادة المساحات المزروعة فحسب، بل يجب أن يشمل حماية المزارع القائم، ومساندته في تسويق محصوله، وتعزيز قدرته على تحقيق عائد عادل من تعبه وجهده. "من الثمرة الطازجة إلى الصناعات الغذائية..
فرص لا ينبغي إهدارها" إن من أبرز السبل لرفع القيمة الاقتصادية للتين الزراقي تنويع طرق الاستفادة منه، وعدم حصره في بيعه طازجا خلال الموسم، إذ يمكن التوسع في عدة مسارات إنتاجية وتسويقية، من أهمها: - التسويق الطازج: تحسين أساليب القطاف والفرز والتعبئة والنقل، وتسويقه في عبوات جذابة تحمل اسمه ومنشأه، بما يعزز ثقة المستهلك ويدعم فرص بيعه بأسعار أفضل. - صناعة مربى التين: تشجيع إقامة مشروعات منزلية وتعاونية صغيرة لتحويل جزء من المحصول إلى مربى، مع الالتزام بمتطلبات السلامة الغذائية والترخيص والتعبئة المناسبة.
- التجفيف والتخزين:
تطوير أساليب تجفيف صحية تحفظ جودة الثمار، وتتيح بيعها خارج الموسم، وتحد من خسائر الفائض الذي قد يتعرض للتلف عند ذروة الإنتاج. - بناء هوية تسويقية خاصة: إطلاق علامة تجارية تعرّف بالتين الزراقي ومصدره، وتبرز خصائصه وجودته، مع التحقق من مواصفات الصنف وإمكانات تسجيله وتسويقه بصورة مميزة.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |