البطوش : أمنيتي كأخصائية نفسية أسرية…أن يصبح العلاج النفسي موعدًا طبيًا بلا وصمة.


رم -

بقلم: د. حنين البطوش – الاستشارية النفسية والأسرية والتربوية

ليست كل المعارك مرئية، ولا كل الأوجاع تُحكى، فخلف ابتسامة قد تختبئ معاناة، وخلف الصمت مشاعر تنتظر من يسمعها دون حكم أو استهانة، وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، الموافق العاشر من أكتوبر، وتحت شعار «التجارب المعاشة مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي»، تبرز أهمية الإصغاء إلى أصحاب التجارب النفسية، واحترام أصواتهم، وإشراكهم في صناعة التغيير؛ فالصحة النفسية ليست رفاهية، بل أساس لحياة أكثر توازنًا وكرامة.

قد ننشغل بالعمل والمسؤوليات والعلاقات، ونؤجل احتياجاتنا النفسية حتى نستنزف أنفسنا، لكن لا صحة متكاملة دون صحة نفسية، ولا ينبغي أن نخسر سلامنا الداخلي ونحن نحاول الحفاظ على كل شيء، فالاهتمام بالنفس لا يعني التخلي عن المسؤوليات، بل وضع حدود صحية، وإدراك أن الاستنزاف المستمر ليس دليلًا على النجاح أو الوفاء أو المحبة.

الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل فهم مشاعره والتعبير عنها، وقد تنتقل بين الأجيال أنماط من القسوة والكبت والتهديد والمقارنة، لا لأننا نريد إيذاء أبنائنا، بل لأننا اعتدنا ممارسات لم نتوقف يومًا أمام آثارها، ما عشنا به ليس بالضرورة ما ينبغي أن نربّي أبناءنا عليه، فالتربية الواعية تبدأ بمراجعة الذات وتصحيح الأنماط المؤذية، وبناء علاقة يشعر فيها الطفل بالأمان عند التعبير عن مشاعره، فلا تطلبوا من أبنائكم الصراحة ثم تعاقبوهم عليها، ولا تجعلوا اعترافاتهم سببًا للومهم، فالطفل لا يحتاج إلى والدين لا يخطئان، بل إلى والدين واعيين، يصغيان إليه، ويحتويان مشاعره، ويعترفان بأخطائهما، ويسعيان باستمرار إلى التعلّم والتغيير.

ما زالت بعض المفاهيم تربط الرجولة بالصمت والتحمل الدائم، وكأن الاعتراف بالحزن أو طلب المساعدة انتقاص من القوة، لكن القوة الحقيقية لا تعني إنكار المشاعر، بل فهمها والتعامل معها بوعي، فطلب الدعم ليس ضعفًا، والاهتمام بالصحة النفسية مسؤولية تجاه الذات والأسرة، فمن الطبيعي أن يعبّر الرجل عن مشاعره، ويعترف بما يثقل قلبه، ويطلب الدعم دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من قوته أو رجولته.

وتتحمل نساء كثيرات مسؤوليات الأسرة والعمل والتربية، ويؤجلن احتياجاتهن حتى تصبح راحتهن آخر الأولويات، لكن ليس مطلوبًا منكِ أن تكوني قوية طوال الوقت، أو أن تستنزفي نفسك لإثبات محبتك وإخلاصك، من حقكِ أن ترتاحي، وتطلبي الدعم، وتضعي حدودًا صحية، فالاهتمام بصحتك النفسية ليس أنانية، بل خطوة نحو حياة أكثر توازنًا وبيئة أسرية أكثر أمانًا.

أمنيتي أن يأتي يوم يقول فيه الإنسان بكل ثقة: «لدي موعد للعلاج النفسي»، دون خجل أو خوف من نظرة المجتمع، تمامًا كما يتحدث عن مراجعته لأي طبيب آخر، فالعلاج النفسي وسيلة متخصصة تساعد الإنسان على فهم ذاته والتعامل مع التحديات والصعوبات النفسية، وطلب المساعدة ليس دليل ضعف، بل خطوة واعية نحو التعافي، ويبدأ تغيير ثقافة المجتمع من الأسرة، ومن الطريقة التي نتحدث بها عن الصحة النفسية أمام أبنائنا، ومن احترامنا لكل شخص يقرر طلب الدعم.

ليس كل انتصار إنجازًا يصفق له الآخرون، أحيانًا يكون الانتصار أن تنهض رغم التعب، أو تتجاوز خوفًا طالما قيّدك، أو تطلب المساعدة بعد سنوات من الصمت، فلا تقلّل من قيمة خطواتك الصغيرة؛ فالتعافي ليس سباقًا، ولكل إنسان تجربته وظروفه وإيقاعه الخاص، حيث إن تعزيز الصحة النفسية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والإعلام والمؤسسات الصحية والاجتماعية، فالسخرية من المعاناة النفسية والتقليل من المشاعر قد يدفعان الإنسان إلى الصمت وتأخير طلب المساعدة، بينما يمنحه الإصغاء والاحتواء شعورًا بالأمان والانتماء، ولذلك ينبغي أن تُبنى خدمات الصحة النفسية على احترام الحقوق والكرامة الإنسانية، والاستماع إلى أصحاب التجارب المعاشة وإشراكهم في تصميم البرامج والقرارات التي تمس حياتهم.

لا تتحدثوا عن معاناة الآخرين دون أن تسمعوا أصواتهم، ولا تصنعوا حلولًا لحياتهم دون أن تشركوهم فيها، اسمعوا قبل أن تحكموا، وافهموا قبل أن تنصحوا، واحتووا قبل أن تطالبوا الآخرين بالقوة. فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى نصيحة بقدر ما يحتاج إلى من يسمعه ويحترم تجربته.

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، أتمنى أن نكون أكثر إصغاءً لأبنائنا، وأكثر تفهمًا لشركائنا، وأكثر احترامًا للتجارب التي لا نعرف تفاصيلها، وإلى كل من يخوض معركة نفسية لا يراها أحد: ليس مطلوبًا أن يصدّق الجميع ألمك حتى يكون حقيقيًا، ولا أن تنتصر في كل معركة حتى تستحق التقدير، امنح نفسك حق الراحة والتعبير وطلب المساعدة، وتذكّر أن سلامك النفسي يستحق الاهتمام، مهما ازدحمت مسؤوليات الحياة، فلنجعل من هذا اليوم بداية لتغيير حقيقي في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا؛ تغيير يبدأ بكلمة طيبة، وإصغاء صادق، واحترام تجربة إنسان قد لا نعرف حجم ما مرّ به، فكل صوت مسموع هو خطوة نحو التعافي، وكل تجربة محترمة هي بداية لتغيير حقيقي.

د. حنين البطوش
الاستشارية النفسية والأسرية والتربوية




عدد المشاهدات : (4154)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :