حجاجي ومطبقيات


رم - عاطف أبو حجر

لا شيء يَستفزّ الذاكرة ويُحرّك الحنين مثل تلك التفاصيل الصغيرة التي شكّلت أفراحنا قديمًا، تفاصيل كانت تمنح المناسبات نكهة لا تخطئها الحواس ولا تُعوّضها مظاهر الحداثة. إنّ استحضار تلك اللحظات ليس مجرد اجترار للماضي، بل هو دفاع هادئ وحجّة حيّة على أنّ البساطة والمحبة وتكاتف الناس كانت السرّ الحقيقي لجمال الحياة. ومن هنا تبدأ الحكاية…

في زمنٍ مضى، كانت المناسبات الاجتماعية—من نجاح التوجيهي، إلى التخرّج، فالخطوبة، فالزواج، وصولًا إلى قدوم المولود الجديد وحتى الطهور—تحمل طقوسًا خاصة تُشبه الاحتفال بروح الجماعة أكثر من الاحتفال بالشخص نفسه.

أتذكّر جيدًا كيف كان الناس يتفاءلون بالخير، وكيف كانت بعض العائلات من مناطق أخرى ترسل أبناءها المقبلين على امتحانات التوجيهي ليُفطروا عندنا في أول يوم، لأن إخوتي كانوا دائمًا من الأوائل بعكسي أنا، ولأن "الفأل" كان جزءًا من اليقين الشعبي. كنا نهدي الطالب قلمًا ليقدّم به أول اختبار، وكأنّ القلم شراكة رمزية في النجاح.

وفي الأفراح، كانت التفاصيل أكثر دفئًا. بعد سهرة العرس يوم الخميس، كانت العائلات "تحمّس المعاليق" استعدادًا لعشاء ما بعد السهرة. وكان الجيران يرشّون السلفانا وتوفة الناشد من النوافذ وأسقف البيوت على زفة العريس حين تمرّ من الأزقة، كأن الشوارع نفسها تُبارك للعريس طريقه نحو حياة جديدة.

ولا أزال أذكر "نقود العريس" ذات الخمسات التي تُنثر كبركة وفرح، وتلك الطقوس التي تسبق قدوم المولود؛ إذ كان الزوج يُحضر "الكرستا" من السمن البلدي والسمسم والحلاوة لتجهيز الحلوى التقليدية الخاصة بالمناسبة.

ومن أجمل ما ارتبط بالمناسبات، سواء الأعراس أو الولادة، هو إعداد الحجاجي والمطبقيات. كانت تلك الأطباق تُحضّر بحب وتُوزّع بكرم، وكأنها إعلان رسمي عن الفرح. لم تكن مجرد حلويات؛ كانت رسالة اجتماعية تقول: “البيت فرحان، فتعالوا شاركونا الفرحة.”

ولعلّ أقوى ذكرى تربطني بهذه الطقوس هو يوم ولادة ابنتي البِكر دينا؛ يومها، مثلما فعل أهلنا قديمًا، أعددنا المطبقيات احتفالًا بمجيئها. ولا تزال أم العيان تحتفظ حتى اليوم بذلك الكأس—ذلك "المَج" الذي استُخدم في المناسبة—كأنه شاهد صامت يحمل بداخلة كل ذلك الفرح القديم.

قد يجادل البعض بأنّ الزمن تغيّر، وأنّ الناس أصبحوا أكثر انشغالًا، وأنّ الحياة الحديثة فرضت نمطًا مختلفًا من الاحتفالات. لكن الحقيقة أنّ ما نفتقده اليوم ليس الشكل، بل الروح: روح المشاركة، والبركة المتبادلة، والإحساس بأنّ الفرح يُصنع جماعيًا.

إنّ التمسّك بذكريات الماضي ليس رفضًا للحاضر، بل تذكير بأنّ جمال الحياة كان يكمن دائمًا في التفاصيل الصغيرة، في طقوس بسيطة صنعت أفراحًا كبيرة، وفي لحظات ما زالت قادرة على إضفاء الدفء على القلب مهما طال الزمن.

إنّ الحديث عن المناسبات القديمة ليس مجرد نُوستالجيا وحنين وشوق، بل حجّة دامغة بأنّ العلاقة بين الناس كانت أقرب، والمناسبات كانت أعمق، و"الحجاجي والمطبقيات" لم تكن مجرد أطباق، بل كانت رمزًا للكرم والبهجة والمحبة. وما ذلك "المَج" الذي ما زلنا نحتفظ به إلا شاهدًا على زمنٍ جميل… زمنٌ ما زال يعيش في القلب مهما تغيّرت الأيام، كما تعيش بيننا ابنتي دينا التي أصبحت صبية جميلة للعائلة، ولا تزال ضحكتها منذ كانت طفلة تذكرني بتلك الرسومات الجميلة على نفس المَج الذي وزع يوم ولادتها.



عدد المشاهدات : (3883)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :