وَهْمُ الحِمَايَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ : مَنْ يَشْتَرِي الأَمَانَ مِنْ بَائِعِ الأَوْهَامِ ؟


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله

 

لعل أكبر خطيئة استراتيجية اقترفتها كثير من العواصم في التاريخ الحديث ظنّها بأن المظلة الأمنية الأمريكية سياجٌ لا يخترق وأن صكوك التحالف المبرمة مع واشنطن هي شهادات أمان أبدية لكن الأيام أثبتت أن الهيبة لا تُستعار ولا تُشترى بصفقات السلاح وعندما تسقط هيبة الدول التي ترهن سيادتها للأجنبي تسقط معها أوهام الحماية خاصة وان الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تنظر يوماً إلى حلفائها إلا كأدوات وظيفية في رقعة شطرنج مصالحها الخاصة وما يُروّج له كردع أمريكي ما هو إلا سراب ووهم سياسي يتبخر عند أول اختبار عسكري حقيقي لتجد الدول المستجيرة بواشنطن نفسها وحيدة تترنح في مهب العواصف الإقليمية الطاحنة .

 

جولات التصعيد الأخيرة في الشرق الأوسط وخاصة المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع إيران كشفت عن عجز بنيوي فاضح في منظومة الحماية الأمريكية ورغم انتشار القواعد العسكرية العملاقة في دول الخليج وضخامة الترسانات الدفاعية المرعبة عجزت واشنطن عن حماية قواعدها العسكرية والمنشآت النفطية الحيوية في قلب الخليج كما فشلت في صد هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة التي استهدفت خطوط الإمداد ومرافئ الطاقة حيث وقفت الدفاعات الأمريكية المتطورة موقف المتفرج بحجة عدم الرغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة مما أثبت جلياً أن القوات الأمريكية موجودة لحماية مصالحها وجنودها أولاً وأخيراً وليس للذود عن أمن شركائها الإقليميين الذين يدفعون فاتورة التبعية في حين تبقى عورة الردع عارية .

 

عمليا لم يكن المشهد في الأردن والعراق إلا امتداداً لذلك العجز والأردن الذي استضاف القوات الأمريكية واعتمد على وعودها الأمنية الكبيرة وجد مجاله الجوي مخترقاً ومسرحاً لتصفية الحسابات الإقليمية التي لا دخل له فيها دون أن تتمكن المظلة الأمريكية من نزع فتيل التهديد عن اجوائه أما في العراق وإقليم كردستان فقد تحولت القواعد الأمريكية والقنصليات من مراكز حماية وسيطرة إلى أهداف مستباحة ومغناطيس يجذب ضربات الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية من ايران وانصارها من تجمعات الفصائل العراقية وقد عجزت واشنطن عن حماية مقارها الدبلوماسية والعسكرية ايضا في بغداد وأربيل وتركت حلفاءها المحليين يواجهون تبعات تحالفهم المر معها وسط شلل كامل لجميع ادوات لردع الأمريكي .

 

حتى إسرائيل التي تمثل الابن المدلل والمشروع الاستراتيجي الأهم لأمريكا في المنطقة لم تسلم من انكشاف هذا الوهم الخادع ففي ذروة المواجهات العسكرية الأخيرة وحروب الصواريخ والمسيرات المباشرة مع طهران لم تكن المظلة الأمريكية وحدها كافية لردع الهجمات أو منع الصواريخ من دك العمق الإسرائيلي والسقوط في المطارات والموانئ والقواعد العسكرية والاحياء السكنية مما دعي واشنطن إلى استجداء تحالفات دولية وإقليمية لتشكيل حائط صد مؤقت مما يثبت أن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد قادرة على منح الأمان المطلق حتى لأقرب حلفائها وأن التفوق الأمريكي بات قاصر عن تغيير معادلات الردع الجديدة التي فرضتها القوى الإقليمية الصاعدة .

 

إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء فإن المشهد الدراماتيكي لاجتياح القوات العراقية للكويت عام 1990 يظل الشاهد التاريخي الأبرز على كذب الوعود الأمريكية ففي خفايا الأروقة الدبلوماسية أعطت السفيرة الأمريكية لدى بغداد آنذاك أبريل غلاسبي ما يشبه الضوء الأخضر الضمني لصدام حسين عندما أخبرته بأن واشنطن ليس لها رأي في الخلافات العربية العربية ولا ترتبط باتفاقيات أمنية مع الكويت وبالفعل تركت أمريكا الكويت لتسقط في غضون ساعات ولم تتحرك لاحقاً إلا عندما استشعرت خطراً داهماً يهدد منابع الطاقة وحلفاءها النفطيين المباشرين حيث حولت عملية تحرير الكويت إلى صفقة تجارية واستراتيجية كبرى دفع العرب ثمنها من سيادتهم وثرواتهم لعقود طويلة .

 

لعل الدرس الأكثر إيلاماً والمحفور في الذاكرة السياسية التاريخية هو مصير شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي كان يُلقب بشرطي الخليج والحليف الأقوى والأوفى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وعندما اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979 واهتز عرشه تخلت عنه إدارة الرئيس جيمي كارتر في رمشة عين ورفضت حتى استقباله على أراضيها للعلاج عندما كان يحتضر مفضلةً الحفاظ على قنوات اتصال مع القوى الجديدة ولقد أثبت سقوط الشاه أن أمريكا تبيع حلفاءها في أسواق المزاد السياسي العلني بمجرد انتهاء مدة صلاحيتهم وأن الرهان على وفائها كالرهان على سراب في صحراء قاحلة يحسبه الظمئان ماء .

 

من هنا لا يمكن قراءة الواقع العملي لعجز الحماية الأمريكية دون التوقف عند المواقف المخزية لانسحاب القوات الأمريكية من عواصم بعض حلفائها غير ابهة بمصيرهم فمنذ سقوط سايغون في فيتنام عام 1975 وصور الحلفاء المحليين وهم يتشبثون بمروحيات الإجلاء وصولاً إلى المهزلة التاريخية في مطار كابل صيف عام 2021 حيث تركت واشنطن عملائها ورجالات الحكومة الأفغانية والجيش الذي أنفقت عليه المليارات يواجهون سوء مصيرهم أمام انتقام حركة طالبان في غضون ساعات حيث تناقلت وسائل الاعلام الدولية حينها مشاهد المواطنين الأفغان الموالين لواشنطن وهم يسقطون عن سلالم وبين عجلات الطائرات العسكرية الأمريكية طلبا للهروب وهذا المشهد لوحدة يلخص جوهر الحماية الوهمية الامريكية في استخدام الشعوب كوقود لسياساتها ومصالحها ثم التخلي المهين عنهم عند المنعطف الأخير.

 

على الضفة الاخرى في إفريقيا وعلى نحو مختلف تكرر السيناريو ذاته بأشكال متعددة حين عجزت واشنطن عن حماية النظم الحليفة لها في منطقة الساحل الإفريقي مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي أمام الضربات الأمنية والانقلابات العسكرية العنيفة وبدلاً من أن تشكل القواعد الأمريكية المتقدمة وطائرات الدرونز في تلك الدول حصناً لعروش هذه الأنظمة وجد الجيش الأمريكي نفسه مطروداً ومجبراً على حزم حقائبه ومغادرة قواعده الاستراتيجية تحت ضغط المقاومة الشعبية والعسكرية المتواضعة ليثبت للجميع أن النفوذ الأمريكي في إفريقيا كان اشبه بنمر من ورق حيث عجز عن حماية نفسه فضلاً عن حماية المستضيفين له .

 

أما في الفناء الخلفي للولايات المتحدة حيث أمريكا اللاتينية فإن التاريخ بكل صفحاته السوداء يقطر غدراً وخيانة إذ طالما استخدمت واشنطن حلفاءها من الديكتاتوريين والقادة العسكريين لتنفيذ خططها ومآربها لمحاصرة المد الشيوعي ثم ما لبثت أن تخلت عنهم أو أسقطتهم وتركتهم فريسة سهلة عندما تغيرت التوازنات الدولية فمن خذلان مقاتلي الكونترا في نيكاراغوا بعد استنزافهم إلى التخلي عن الأنظمة الموالية في بنما وتشيلي حيث يؤكد الماضي والحاضر في أمريكا اللاتينية أن عقيدة الحماية الأمريكية الموهومة لا تعترف بالقيم أو الصداقة بل تحكمها لغة المصالح البادرية والانتهازية السياسية الفجة.

وفق ذات النهج وبقراءة دقيقة للواقع الميداني الحالي نجد أن السلاح الأمريكي المتطور الذي يُباع للدول بمليارات الدولارات بهدف الحماية قد فقد قدسيته وهيبته وتفوقه النفسي والميداني حيث أثبتت الحروب الحديثة وحروب المستضعفين أن طائرات مسيرة رخيصة التكلفة وصواريخ باليستية محلية الصنع يمكنها اختراق أحدث منظومات الدفاع الجوي الأمريكية مثل باتريوت وثاد وهذا السقوط التكنولوجي الميداني اضعف مبررات الاعتماد الحصري على السلاح الأمريكي كما كشف أن الدول التي تظن نفسها آمنة تحت مظلة الرادارات وانظمة الدفاع الجوي الأمريكية تعيش في حقيقة الأمر فوق حقل خطير من الألغام غير المحمية .

 

الثابت عمليا ان وهم الحماية الأمريكية لم يتوقف عند حدود الانكشاف العسكري الميداني فقط بل تعداه العجز الاقتصادي والمالي الفاضح الذي بات يهدد الاستقرار المعيشي والسيادي للدول الحليفة خاصة وان الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تتردد يوماً في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية الأحادية وتجميد الأصول والابتزاز المالي بطرق ملتوية ما تسببت في حدوث نزيف اقتصادي حاد لشركائها في المنطقة والعالم دون أي مراعاة لتبعات تلك السياسات على أمنهم الداخلي حيث أثبتت الأزمات المالية المتلاحقة أن واشنطن مستعدة للتضحية بالاستقرار النقدي والتجاري لأقرب حلفائها من أجل تمرير مصالح شركاتها العملاقة وضمان تبعية هذه الدول للمنظومة المصرفية الغربية مما يجعل الرهان على الأمان المالي والاقتصادي الأمريكي مجرد وهم آخر يسقط أمام أول منعطف للمصالح الذاتية للبيت الأبيض .

 

اللافت ايضا إن أحد أهم أركان سقوط وهم الحماية هو الانقسام والشلل السياسي الداخلي فالولايات المتحدة اليوم تعيش حالة من الانكفاء على الذات وتتبني شعارات متطرفة مثل أمريكا أولاً ولم يعد الناخب الأمريكي ولا صانع القرار في الكونغرس مستعداً للتضحية بجندي واحد أو دولار للدفاع عن عاصمة أخرى في الشرق الأوسط أو إفريقيا وهذا التحول البنيوي يعبّر عن حقيقة صارخة وهي أن أمريكا لم تعد قادرة ولا راغبة في لعب دور الدرع العالمي كالسابق وأي دولة تبني استراتيجيتها الأمنية على فرضية التدخل الأمريكي العسكري المباشر لحمايتها إنما هي تقرأ في كتاب سياسي قديم مهترئ لم تعد له صفحات تذكر في الواقع الحالي .

 

أمام هذا الانكشاف الاستراتيجي المزري يصبح الركون المستمر إلى الحماية الأمريكية ضرباً من الانتحار السياسي وخلل يصيب هيبة الدول في مقتل وان الخروج من هذا التيه يتطلب شروحات عملية وسياسات سيادية حاسمة ترفض التبعية المطلقة كون الأمن القومي للدول لا يمكن أن يُرهن لتقلبات المزاج الانتخابي في البيت الأبيض وان حماية الوجود تستدعي بناء عناصر قوة ذاتية قادرة على الصمود وتحويل عقيدة الدفاع من الاتكال على الغير وانتظار النجدة إلى المبادرة والردع الذاتي القوي .

 

ما يتوجب فهمه بهذا الخصوص إن طوق النجاة الوحيد للدول التي ترغب في استعادة هيبتها ومكانتها وحفظ كيانها يكمن في تنويع التحالفات الإقليمية الدولية وكسر احتكار التسليح والانفتاح الشجاع على القوى الدولية الصاعدة مثل الصين وروسيا وبناء شبكة علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة وليس التبعية المذلة كما أن تنويع مصادر السلاح ونقل التكنولوجيا العسكرية وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي بعيداً عن الإملاءات والشروط الأمريكية هو السبيل الوحيد لبناء جدار ردع حقيقي لان القوى التي تتعدد خياراتها السياسية والعسكرية هي وحدها التي تملك القدرة على المناورة وحماية حدودها وقرارها السيادي وامنها القومي .

 

الامر الاهم في السياق ان التناقض الصارخ في الأداء الميداني للمظلة الأمنية الأمريكية خاصة بعدما تعرّضت أكثر من 12 قاعدة عسكرية ومراكز لوجستية ومصافي تكرير وخطوط نفط هامة لقصف ايراني عنيف رافقه عجز امريكي في التصدي للهجمات وهو ما دفع بعض العواصم الخليجية لإعادة تقييم بنيتها الدفاعية وتنويع تحالفاتها لحماية استقرارها وبناء شراكات إقليمية متعددة في وقت يمهد فيه هذا التحول لصعود النفوذ الصيني فعلى سبيل المثال السعودية التي ترتبط رؤيتها الاقتصادية بالاستقرار الميداني اتجهت لتوقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان كخطوة اولية للتحوط مع التزام بالتعايش المُدار مع طهران عبر الدبلوماسية المتزنة .

 

ختاما : لابد من توجيه رسالة عاجلة وصارمة لبعض العرب والمسلمين ولكل دول العالم التي ما زالت تغط في نوم عميق وهي تتدثر عباءة الحماية الأمريكية الوهمية بأن يستفيقوا قبل فوات الأوان لان التاريخ لا يرحم المغفلين وجغرافيا السياسة لا تعترف بالضعفاء الذين يستجدون أمنهم من وراء البحار وان من يتغطى بأمريكا عريان ومن يرهن سيادته لواشنطن كمن يبني بيتاً على الرمال المتحركة لهاذا استعيدوا هيبتكم ببناء قوتكم الذاتية ونوّعوا تحالفاتكم واعلموا أن دماء جنودكم وأبنائكم هي الوسيلة الوحيدة التي ستذود عن ترابكم الوطني وكرامة شعوبكم أما أمريكا فلن تحرك ساكناً عندما تشتعل النيران في عواصمكم ومن حولكم بل ستكتفي بإصدار بيانات القلق العميق وإحصاء الخسائر من بعيد عندما تتحول المظلة الأمنية الامريكية إلى مقصلة سيادية مؤلمة تقتل الدول والشعوب معا . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]




عدد المشاهدات : (453)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :