يوم المعلم حين يبدأ بناء الدولة من الأسرة والصف


رم -

بقلم: عبد الله مصطفى السعود

قد تبدو المسافة بعيدة بين ما يحدث داخل الأسرة والصف، وما يحدث لاحقاً في مؤسسات الدولة، لكنها في الحقيقة أقصر مما نعتقد. فالإنسان الذي يتعلم منذ طفولته كيف يفكر، ويحاور، ويحترم الاختلاف، ويتحمل مسؤولية قراراته، يحمل هذه الممارسات معه إلى الجامعة والعمل والمجتمع، ثم إلى المواقع التي يشارك من خلالها في إدارة الشأن العام. من هنا تتجاوز مناسبة يوم المعلم حدود الاحتفاء بمهنة، لتطرح سؤالاً أوسع: أي إنسان نريد أن نعده للمستقبل، وكيف تتكامل الأسرة والمدرسة في تشكيله؟ فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل اللغة والسلوك والقيم.

 

وفي البيت تبدأ مفاهيم الدين، وحب الوطن، والصدق، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، قبل أن يحمل الطالب حقيبته المدرسية. ولذلك لا يمكن النظر إلى التربية باعتبارها مهمة تقع على عاتق المدرسة وحدها؛ فما تغرسه الأسرة في السنوات الأولى يشكل قاعدة أساسية لما يأتي بعد ذلك. ثم يأتي دور المدرسة لتوسيع هذه الدائرة وتنظيم المعرفة وبناء المهارات. فالمدرسة اليوم لم تعد مطالبة بنقل المعلومات فقط، خصوصاً أن المعرفة أصبحت متاحة للطالب بوسائل واسعة وسريعة.

 

التحدي الحقيقي يتمثل في مساعدته على فهم ما يقرأ ويسمع، والتحقق منه، وتحليله، وربطه بالواقع، ثم استخدامه في التفكير واتخاذ القرار. وهنا تبرز قيمة المعلم. فدوره لا ينحصر في تقديم درس ناجح، بل يمتد إلى الطريقة التي يدير بها الحوار، ويشجع بها السؤال، ويتعامل بها مع الخطأ والاختلاف، ويعزز من خلالها العمل مع الآخرين. تفاصيل قد تبدو محدودة داخل الحصة، لكنها مع تكرارها تتحول إلى عادات وسلوكيات ترافق الطالب في مراحل حياته المختلفة. ولهذا فإن تطوير التعليم يبدأ أيضاً من تطوير البيئة المهنية للمعلم. فإذا كنا نطالبه بمواكبة التحولات في المعرفة والتكنولوجيا، فعلينا أن نوفر له التأهيل المستمر، والأدوات الملائمة، والوقت الكافي للتخطيط والتطوير، والظروف المهنية التي تساعده على أداء مهمته بكفاءة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في عام 2026، الذي يصادف الذكرى الستين لتوصية منظمة العمل الدولية واليونسكو لعام 1966 بشأن أوضاع المعلمين، فيما يركز اليوم العالمي للمعلمين هذا العام على حماية مهنة التعليم وتعزيز مكانتها ودعم المعلمين في مواجهة التحولات الجديدة. وفي الأردن، تتزامن المناسبة مع بدء تنفيذ الخطة الاستراتيجية للتعليم 2026–2030، التي تتضمن تعزيز التنمية المهنية للمعلمين، والتحول الرقمي، وتحسين جودة التعليم، ضمن مسار إصلاحي للقطاع. لكن قيمة أي خطة لا تقاس بما تتضمنه من أهداف ووثائق فقط، وإنما بما يحدث عندما تصل إلى الغرفة الصفية. هناك يتحول المنهاج إلى معرفة، والسياسة التعليمية إلى ممارسة، والأهداف العامة إلى خبرات وسلوكيات يكتسبها الطالب. وفي هذا السياق، يصبح الاهتمام بالمعلم جزءاً من الاهتمام بالمستقبل الوطني؛ فالدولة لا تقوم على القوانين والمؤسسات والبنية المادية وحدها، وإنما تحتاج إلى إنسان قادر على العمل فيها، واحترام قواعدها، وتحمل مسؤولياته، والمساهمة في تطويرها. وهذا الإنسان تتشكل ملامحه الأولى في الأسرة، ثم تتسع خبراته داخل المدرسة والمجتمع.

وفي تاريخ الإنسانية، يبقى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نموذجاً عظيماً في التعليم والتربية؛ فلم يكن التعليم لديه نقلاً للمعرفة بمعزل عن الإنسان، وإنما اقترن بالقدوة والتزكية والأخلاق الحميدة، حتى يصبح العلم أثراً في السلوك والعمل والتعامل مع الآخرين. وهذه الفكرة تظل حاضرة في جوهر التعليم الحقيقي: أن يتحول ما يتعلمه الإنسان إلى ممارسة وقيمة ومسؤولية. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقدير المعلم على مناسبة سنوية، كما لا ينبغي أن ينحصر تطويره في دورة تدريبية عابرة.

 

المطلوب هو مسار مهني متواصل يمنحه فرصة النمو، ويعزز مكانته، ويواكب المتغيرات التي فرضت على التعليم أدواراً جديدة. وفي يوم المعلم، ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نحتفي بالمعلم؟ بل: أي إنسان نريد أن يخرج من الأسرة والصف، وأي مجتمع ودولة نريد أن يسهم هذا الإنسان في بنائهما؟ فما يتعلمه الطفل في البيت، وما يكتسبه في المدرسة، لا يبقى محصوراً بين جدرانهما؛ بل يظهر لاحقاً في الجامعة، ومكان العمل، والإدارة، والمجتمع، ومؤسسات الدولة. ولهذا فإن بناء الدولة لا يبدأ عندما يصل الإنسان إلى موقع المسؤولية، بل قبل ذلك بكثير… يبدأ من الأسرة، ويترسخ في الصف. [email protected]




عدد المشاهدات : (531)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :