د. مزهر يعقوب جوينات
قد ينفوق الطالب في الاجابة ببراعة عن عشرات الأسئلة، ثم يعجز عن طرح سؤال واحد يغيّر طريقة استيعابه لموضوعٍ ما. هنا تتمثل إحدى المفارقات الصامتة في التعليم التقليدي. يمكن أن ندرّب الذاكرة بكفاءة على حفظ وصياغة الاجابات الصحيحة، دون أن نمنح العقل المساحة الكافية ليمارس وظيفته الأهم؛أن يفكر. من هذا المنظور، تصبح بيئة التعليم الفكرية قضية تتجاوز ترتيب العلامات أو اختيار الوسائل التعليمية الحديثة.
إنها المناخ الاكثر ملائمة الذي يتشكل فيه وعي الطالب تجاه المعرفة، هل يتلقاها بوصفها حقيقة نهائية؟ أم يتعامل معها باعتبارها معرفة قابلة للفحص والمراجعة والتطوير؟ في البيئة الصفية الناضجة، لا يكون السؤال اعتراضًا على المدرس، ولا يكون اختلاف وجهة نظر الطالب دليلًا على ضعفه. السؤال وسيلة للفهم، والاختلاف فرصة لاختبار الأفكار.
وحين يتعلم الطالب أن يقول :- ما الدليل؟ قبل أن يقول (أنا أعتقد)، يبدأ الانتقال من الاستجابة التلقائية إلى التفكير النقدي. والتفكير النقدي لا يعني الاحتجاج الدائم. إنه عملية عقلية أكثر دقة، تحديد المشكلة، وفحص المعلومات، ومقارنة الأدلة، واكتشاف الافتراضات، والنظر في البدائل، ثم بناء حكم قابل للمراجعة. وهذه المهارات تصبح أكثر إلحاحًا في زمن تتدفق فيه الأخبار والمعلومات والمقاطع القصيرة على الطالب من مصادر لا يتساوى فيها الصدق والموثوقية. لذلك فإن المدرسة الحديثة لا تحتاج فقط إلى طالب يعرف المعلومة، بل إلى طالب يعرف كيف يختبرها. أن يسأل عن مصدرها، وسياقها، وحدودها، وأن يميز بين حقيقة مثبتة وتفسير محتمل ورأي شخصي. تلك هي إحدى صور الحصانة الفكرية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية قبل أن يحتاجها عند الاختبار. الإ أن التفكير الحر يحتاج إلى أخلاق تضبط ممارسته.
فالحوار المفتوح لا يعني أن كل عبارة مقبولة، ولا أن الاختلاف يبرر الإساءة. داخل الغرفة الصفية يجب أن يتعلم الطالب أن نقد الفكرة يختلف عن مهاجمة صاحبها، وأن قوة الحجة لا تقاس بحدة الصوت، وأن الاعتراف بعدم المعرفة قد يكون بداية للمعرفة لا علامة على النقص. لهذا تأتي أهمية وجود قواعد واضحة للحوار: الإصغاء قبل الرد، الاستناد إلى الأدلة، احترام المخالف، تجنب السخرية، والتمييز بين ما نعرفه وما نفترضه. هذه القواعد لا تقيد التفكير؛ بل تمنحه إطارًا يجعله أكثر انضباطًا وإنتاجًا. أما الإبداع، فلا ينمو في بيئة تخاف الخطأ. الطالب الذي يعتقد أن هناك إجابة واحدة ينتظرها المعلم غالبًا سيبحث عنها، بينما الطالب الذي يُطلب منه تفسير الظاهرة أو اقتراح حل بديل أو اختبار فرضية، يبدأ في إنتاج المعرفة بدل استهلاكها. وهنا يظهر الدور الحقيقي للمعلم. ليس المطلوب أن يتخلى عن موقعه العلمي، بل أن يستخدمه بطريقة مختلفة. المعلم الفاعل لا يملأ كل مساحة بالصوت، بل يعرف متى يسأل ومتى يصمت. يضع المشكلة، ثم يترك للطلاب فرصة تفكيكها.
لا يسارع إلى تصحيح كل إجابة، بل يسأل أحيانًا:- ما الذي جعلك تصل إلى هذه النتيجة؟. وبذلك يتحول التصحيح من إعلان للحكم إلى تدريب على التفكير. يمكن تطبيق ذلك في أبسط تفاصيل الحصة. يبدأ الدرس بسؤال يثير مشكلة حقيقية. تُعرض معلومات متعارضة أو تفسيريات مختلفة. يعمل الطلاب في مجموعات صغيرة لفحص الأدلة. ثم يقدمون استنتاجاتهم مع تبريرها.
وفي نهاية النقاش لا يكون السؤال الوحيد:- ما الإجابة الصحيحة؟، بل أيضًا:- ما الدليل الذي غيّر طريقة تفكيرك؟. هذه الممارسات اليومية تبني وعيًا يتجاوز حدود المنهج. فالطالب الذي يتعلم التحقق من مصدر معلومة في الصف سيكون أكثر قدرة على التعامل مع معلومة مضللة خارجه. والذي يتعلم احترام الرأي المخالف سيكون أكثر استعدادًا للحوار في المجتمع. والذي يتعلم مراجعة فكرته عندما يظهر دليل جديد يكتسب أهم مهارات التعلم المستمر. لهذا لا تقاس جودة البيئة التعليمية بعدد الأسئلة التي أجاب عنها الطلاب فقط، بل بنوعية الأسئلة التي أصبحوا قادرين على طرحها ومناقشتها. فالمعرفة تتوسع، والمهن تتغير، والتقنيات تتطور، وما يتعلمه الإنسان اليوم قد يحتاج إلى مراجعة غدًا.
التعليم الذي يصنع مستقبلًا لا يكتفي بأن يملأ العقول بالمعلومات؛ بل يعلّمها كيف تفرزها، وتختبرها، وتربط بينها، ثم تستخدمها لصناعة سؤال أفضل وحل أكثر ابتكارًا. وربما يكون أفضل اختبار لنجاح الحصة ليس ما يتذكره الطالب بعد مغادرته الصف، بل ما الذي جعله يتوقف بعد انتهاء الحصة ويقول:- أريد أن أعرف أكثر. الدكتور. مزهر يعقوب جوينات.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |