محكمة الجنايات الكبرى .. هنا تتكلم العدالة بلغة القانون


رم -

بقلم: علاء علي محمد الحويزان.

 

صرحٌ قضائي شامخ يحمل أثقل المسؤوليات.. وقضاة وموظفون يعملون في صمت ليبقى ميزان العدالة قائماً هناك أماكن لا تُقاس قيمتها بجدرانها، ولا تُختزل رسالتها في طبيعة العمل الذي يجري داخلها؛ لأنها تحمل من المسؤولية ما يجعلها جزءاً من أمن المجتمع واستقرار الدولة وهيبة القانون.

 

ومن هذه الأماكن تقف محكمة الجنايات الكبرى شامخة في منظومة القضاء الأردني، بوصفها صرحاً من صروح العدالة، ومرفقاً قضائياً يتعامل مع أخطر القضايا وأشدها حساسية، ويؤدي دوراً بالغ الأهمية في إنفاذ القانون وصون الحقوق وحماية المجتمع من الجريمة.

إنها المحكمة التي تصل إليها القضايا الكبرى، حيث لا يكون التعامل مع الملفات أمراً عابراً أو روتينياً، وحيث تحتاج كل قضية إلى قدر كبير من التثبت والدراسة والمتابعة، لأن طبيعة الجرائم التي تنظر فيها تفرض أعلى درجات الدقة والحذر والمسؤولية.

 

حين تكون القضية أكبر من مجرد ملف في أروقة محكمة الجنايات الكبرى، لا تبدو الملفات مجرد أوراق مصطفة على الرفوف؛ فخلف كل ملف وقائع وأشخاص وحقوق ومسؤوليات، ولهذا فإن التعامل معه يحتاج إلى عقل حاضر، وعين دقيقة، ويد أمينة، وإدراك عميق لخطورة كل إجراء وتفصيل. فالقضاء العادل لا يقوم على العجلة، ولا على الانطباعات، وإنما على التثبت من الوقائع، وتمحيص الأدلة، وتطبيق أحكام القانون، وصولاً إلى الحكم الذي يستند إلى ما يثبت أمام المحكمة ووفق الأصول القانونية. وهنا تحديداً تظهر عظمة الرسالة القضائية؛ إذ تتجرد العدالة من كل المؤثرات، ولا يبقى أمامها سوى القانون.

 

اختصاص على مستوى المملكة.. ومسؤولية بحجم الوطن وتزداد جسامة العمل في هذه المحكمة بالنظر إلى امتداد اختصاصها ليشمل مختلف أنحاء المملكة، الأمر الذي يضع أمامها حجماً كبيراً من القضايا والملفات، ويجعل مسؤولياتها متشعبة ومتواصلة. فهذا الاختصاص الواسع يعني عملاً متراكماً، وملفات متعددة، وإجراءات دقيقة، ومتابعة مستمرة، الأمر الذي يتطلب منظومة عمل متماسكة قادرة على المحافظة على مستوى الأداء والدقة، مهما ازدادت أعباء العمل. ومع ذلك، فإن قيمة المؤسسات لا تظهر عندما تكون الظروف سهلة، وإنما تظهر عندما تتراكم المسؤوليات وتبقى قادرة على أداء رسالتها بثبات. وهذا ما يجعل الحديث عن محكمة الجنايات الكبرى حديثاً عن مؤسسة تحمل عبئاً كبيراً، وتؤدي دوراً لا يمكن النظر إليه بمعزل عن منظومة الأمن المجتمعي وسيادة القانون.

 

قضاة يحملون الأمانة ولعل أبرز ما يميز هذا الصرح نخبة القضاة الذين يتولون مسؤولية النظر في قضايا بالغة الخطورة والحساسية. إن القاضي في محكمة الجنايات الكبرى لا يحمل مسؤولية إصدار حكم فحسب؛ بل يحمل أمانة ثقيلة تتطلب العلم والخبرة والتجرد والتثبت، ويضع أمامه في كل قضية حقيقة راسخة: أن القضاء مسؤولية قبل أن يكون منصباً، وأمانة قبل أن يكون وظيفة. ومن هنا، فإن هيبة المحكمة تنبع في جانب كبير منها من هيبة قضاتها، ومن احترامهم للقانون، ومن قدرتهم على التعامل مع القضايا بميزان العدالة، بعيداً عن المؤثرات والانفعالات.

 

الموظفون.. الجنود الذين لا يظهرون في الصورة لكن الحديث عن المحكمة لا يكتمل من دون الوقوف عند أولئك الذين يعملون خلف المشهد. موظفو محكمة الجنايات الكبرى هم جزء أصيل من منظومة العدالة؛ يعملون في المكاتب، وبين الملفات والسجلات والمراسلات والإجراءات، ويتحملون يومياً ضغط العمل وحساسية القضايا وكثرة التفاصيل. قد لا تظهر أسماؤهم في صفحات الأحكام، وقد لا يعرف الجمهور حجم الجهد الذي يبذلونه، لكن انتظام العمل القضائي يعتمد على تكامل جهود الجميع. فوراء كل جلسة استعداد، ووراء كل ملف متابعة، ووراء كل إجراء تدقيق، ووراء كل معاملة مسؤولية. وهؤلاء الموظفون لا يعملون في مؤسسة عادية؛ إنهم يعملون في محكمة تتطلب طبيعة اختصاصها منهم يقظة دائمة، وسرعة في الإنجاز، ودقة في التنفيذ، والتزاماً صارماً بالتعليمات، وحفاظاً على سرية المعلومات وخصوصية القضايا.

 

هنا لا مكان للتهاون ولأن القضايا التي تنظرها المحكمة على درجة عالية من الحساسية، فإن العمل فيها يحتاج إلى متابعة حثيثة وحذر شديد. تفصيل صغير قد يكون مهماً، وإجراء دقيق قد يكون فاصلاً، وملف يحتاج إلى عناية مضاعفة، ولهذا فإن ثقافة العمل في مثل هذا المكان يجب أن تقوم على الانتباه والدقة وعدم الاستهانة بأي خطوة. وهذه المسؤولية تجعل العمل في المحكمة مرهقاً في كثير من الأحيان، لكنه في الوقت ذاته يمنحه قيمة استثنائية؛ لأن الموظف والقاضي يدركان أن جهدهما لا ينتهي عند حدود المكتب، وإنما يدخل في منظومة أوسع عنوانها العدالة. صرح يحمي المجتمع بالقانون إن مواجهة الجريمة لا تكون بالفوضى ولا بردود الأفعال، وإنما من خلال دولة القانون ومؤسساتها، وفي مقدمتها القضاء.

 

ومن هنا تبرز مكانة محكمة الجنايات الكبرى باعتبارها إحدى المؤسسات التي تتولى تطبيق القانون على الجرائم الداخلة في اختصاصها، بما يسهم في حماية المجتمع وترسيخ مبدأ سيادة القانون. فالقانون حين يكون حاضراً، يشعر المواطن بأن هناك مرجعية يحتكم إليها، وأن الحقوق لا تُترك للأهواء، وأن المسؤولية تُحدد وفق أحكام القانون والأدلة والإجراءات القضائية. وهذه الثقة هي واحدة من أعظم ما يمكن أن تمنحه مؤسسات العدالة للمجتمع.

 

العدالة ليست مبنى.. بل رجال ورسالة قد يرى الزائر مبنى المحكمة وقاعاتها ومكاتبها، لكنه لا يرى بالضرورة الساعات الطويلة التي يقضيها العاملون في متابعة الملفات، ولا حجم التركيز المطلوب، ولا الضغط الذي تفرضه طبيعة القضايا. فالعدالة ليست جدراناً وقاعات؛ العدالة موظفون يحملون الأمانة. هي قاضٍ يتثبت قبل أن يحكم. وموظف يدقق قبل أن ينجز. وموظف آخر يتابع ملفاً حتى لا يتعطل. وفريق كامل يعمل خلف الستار حتى تصل القضية إلى مسارها الصحيح.

 

ومن هنا، فإن تقدير محكمة الجنايات الكبرى لا ينبغي أن يقتصر على النظر إلى ما يظهر في واجهتها، بل يجب أن يمتد إلى كل من يعمل فيها، وكل من يساهم بجهده في استمرار هذا المرفق الحيوي. محكمة تستحق الاعتزاز إن محكمة الجنايات الكبرى ليست مجرد محطة في مسار العمل القضائي؛ إنها صرح يحمل مسؤولية استثنائية، ويقف في مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في حياة المجتمع. وهي، بما تضمه من قضاة وموظفين، تمثل صورة مشرقة للعمل المؤسسي حين تتكامل الخبرة مع المسؤولية، والدقة مع الالتزام، والقانون مع العدالة. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن وراء هذا الصرح القضائي جهوداً كبيرة لا يراها كثيرون، وأن وراء كل يوم عمل عادي في المحكمة ساعات من التركيز والمتابعة والإنجاز، وأن المحافظة على مستوى الأداء في مؤسسة بهذا الحجم وهذه الطبيعة ليست مهمة سهلة.

 

كلمة أخيرة تبقى محكمة الجنايات الكبرى واحدة من الصروح التي تزداد قيمتها كلما أدركنا حجم الرسالة التي تحملها. هي المكان الذي يتقدم فيه القانون على الانفعال، والدليل على الظن، والعدالة على الأهواء. وهي المحكمة التي تحتاج، بحكم طبيعة اختصاصها، إلى قضاة على قدر كبير من العلم والخبرة والتجرد، وإلى موظفين على قدر كبير من الأمانة والدقة والانضباط. ومن حق هؤلاء جميعاً أن يُقال لهم: إن ما تقومون به ليس عملاً عادياً، وإن الجهد الذي تبذلونه ليس جهداً عابراً؛ فأنتم تعملون في صرحٍ تتصل رسالته بحقوق الناس وأمن المجتمع وهيبة القانون. فكل التحية لقضاة محكمة الجنايات الكبرى، وكل التقدير لموظفيها، وكل الاعتزاز بهذا الصرح الذي يقف ثابتاً في منظومة العدالة الأردنية، حاملاً رسالته بكل ما فيها من ثقل، وماضياً في أداء واجبه بكل ما تقتضيه العدالة من علمٍ وتثبتٍ ومسؤولية.

 

محكمة الجنايات الكبرى... صرحٌ حين يصمت الجميع، يتحدث القانون؛ وحين تتعدد الآراء، يبقى ميزان العدالة هو الفيصل؛ وحين تُثقل الملفات، تبقى الأمانة أثقل منها جميعاً. إنها ليست مجرد محكمة... إنها عنوانٌ من عناوين سيادة القانون، ووجهٌ من وجوه العدالة، وسياجٌ قانوني يسهم في حماية المجتمع وصون حقوق أفراده.




عدد المشاهدات : (486)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :