بقلم عمر الدريني
حين يصبح الكلام مخاطرة والصمت نجاة قد تبدو بعض الاجتماعات هادئة أكثر مما ينبغي، الجميع يستمع، الجميع يوافق، ولا أحد يرفع يده ليقول إن هناك مشكلة، أو يقترح تعديلًا، أو يسأل عن قرار لم يفهمه، وقد يخرج المسؤول من الاجتماع معتقدًا أن الأمور تسير بصورة ممتازة، بينما تكون الحقيقة مختلفة تمامًا: المؤسسة لا تعيش حالة رضا، بل حالة صمت.
الصمت داخل المؤسسات ليس دائمًا علامة على الانضباط، كما أن كثرة الكلام ليست بالضرورة دليلًا على الفوض، لكن المؤسسة التي يصبح فيها التعبير عن الرأي مخاطرة، ومعارضة الفكرة محسوبة، وطرح السؤال مصدرًا للقلق، تبدأ تدريجيًا في خسارة واحدة من أهم ثرواتها: المعرفة الموجودة لدى العاملين فيها. الموظف الموجود في الميدان يرى تفاصيل لا تصل دائمًا إلى المكاتب العليا، يعرف أين تتعطل المعاملة، وأين يتكرر الخطأ، وأي إجراء يربك المواطن، وأي قرار يحتاج إلى مراجعة، وقد يمتلك فكرة بسيطة قادرة على تحسين العمل، لكنه قد يتردد في طرحها إذا كانت التجارب السابقة تقول له إن المبادرة قد تجلب المتاعب أكثر مما تجلب التقدير، ومع تكرار التجربة، يتعلم الموظف درسًا مؤلمًا: افعل ما يُطلب منك، ولا تدخل في التفاصيل.
وهنا يبدأ الصمت الإداري في التحول إلى ثقافة، لا أحد يرفض علنًا، لكن لا أحد يقترح أيضًا، لا أحد يعترض، لكن لا أحد يشعر بأنه شريك حقيقي في تطوير العمل، يصبح الاجتماع مساحة للتصديق بدل التفكير، ويصبح الاتفاق السريع أكثر أمانًا من النقاش الصادق، ومع الوقت، قد تتراجع الأخطاء ظاهريًا لأنها لم تعد تُناقش، بينما تكبر في الواقع لأنها فقدت من يلفت الانتباه إليها مبكرًا.
ليس المطلوب أن تتحول المؤسسات إلى ساحات دائمة للخلاف، ولا أن يصبح كل قرار موضع اعتراض، الإدارة تحتاج إلى الحسم، والمسؤول يحتاج في النهاية إلى اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته، لكن الفرق كبير بين مؤسسة تستمع ثم تقرر، ومؤسسة تقرر ثم تطلب من الجميع أن يصفقوا للقرار.
القيادة الحقيقية لا تخاف من السؤال الصعب، ولا تعتبر الاختلاف تهديدًا شخصيًا، المدير الذي يريد تحسين مؤسسته يحتاج إلى من يقول له أحيانًا: هذا الإجراء لا يعمل، وهذه الفكرة تحتاج تعديلًا، وهذا القرار قد ينتج أثرًا لم ننتبه إليه، ليس لأن الموظف يريد تعطيل العمل، بل لأنه يرى جزءًا من الصورة لا يظهر بالضرورة من المكتب الإداري.
وفي المؤسسات الحديثة، لا تُقاس قوة القيادة بعدد الأشخاص الذين يوافقونها، بل بقدرتها على بناء بيئة تسمح بظهور المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب، فالخطأ الذي يُكتشف مبكرًا يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يخشى الجميع الحديث عنه فقد يتحول إلى مشكلة مؤسسية كاملة. ولذلك فإن بناء ثقافة مؤسسية صحية يبدأ أحيانًا بسؤال بسيط: ماذا سيحدث لو قلت رأيي بصراحة؟ إذا كانت الإجابة هي أنني سأُتهم بالمشكلة، أو أُفهم على أنني معارض، أو أخسر فرصة، فالمشكلة ليست في الموظف وحده؛ هناك خلل أعمق في البيئة التي يفترض أن تحوّل خبرته إلى قيمة.
كم فكرة جيدة لم تصل إلى أصحاب القرار لأن صاحبها خشي أن يتحدث؟ وكم مشكلة كان يمكن حلها في بدايتها لو وجد شخصًا يشعر أن صوته مسموع؟ وكم موظف تعلم أن السلامة المهنية في مؤسسته لا تحتاج إلى الإبداع، بل إلى الصمت؟ المؤسسة القوية ليست التي تخلو من الأصوات المختلفة، بل التي تعرف كيف تستمع إليها وتفرزها وتستفيد منها، فالقرار لا يصبح أقوى لأن الجميع وافقوا عليه، وإنما يصبح أقوى عندما يكون قد مرّ عبر أسئلة حقيقية وملاحظات صادقة.
وحين يصبح الكلام مخاطرة، لا ينبغي أن نستغرب أن يصبح الصمت نجاة، لكن المؤسسة التي تريد أن تتقدم لا تبحث عن موظفين يجيدون الصمت، بل عن أشخاص يستطيعون أن يتحدثوا عندما يكون الحديث ضرورة، وأن يختلفوا عندما يكون الاختلاف مفيدًا، وأن يساعدوا القرار على أن يكون أفضل.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |