بقلم الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي
لم يكن العالم في نيويورك بحاجة الى خطاب آخر بعدد المآسي، ولا الى كلمات جديدة تضاف الى أرشيف الأمم المتحدة الطويل من البيانات والقرارات والوعود، بل كان بحاجة الى من يقول له شيئا أكثر إزعاجا. المشكلة ليست أننا لا نعرف ما يحدث ... المشكلة أننا نعرف، ثم لا نفعل ما يكفي لوقفه.
ومن هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين. لم تكن الكلمة الأردنية مجرد عرض للموقف الأردني من غزة والضفة الغربية والقدس وسوريا، بل كانت محاولة لوضع المجتمع الدولي اما مرآة صعبة؛ ماذا بقي من النظام الدولي إذا أصبحت الحروب قابلة للإدارة، والاحتلال قابلا للتأجيل، والمعاناة قابلة للتطبيع مع الزمن؟ الملك لم يتحدث فقط عن فلسطين، لقد تحدث عن معنى أن يكون هناك عالم يدعي أنه تحكمه قواعد.
إن أخطر ما في الحروب أن يعتاد عليها العالم، لذلك اختار الملك أن يبدأ من مفهوم قد يبدو بعيدا عن السياسة وهو الانتباه. فالانتباه في عالم اليوم ليس مجرد قدرة الانسان على التركيز وسط سيل الاخبار. الانتباه أصبح قوة سياسية، فالقضية التي تبقى في صدارة المشهد الدولي تحصل على الضغط الدبلوماسي، والمفاوضات، والمساعدات، والتغطية الإعلامية.
اما القضية التي يعتاد العالم رؤيتها، فإنها تبدأ تدريجيا بفقدان قدرتها على الصدمة، وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات عصرنا؛ وهي أن تتحول المأساة الى روتين، وأن يصبح سقوط الضحايا خبرا، وأن يصبح النزوح رقما، وأن يصبح الدمار صورة تتكرر حتى تفقد قدرتها على تحريك الضمير.
هذا تحديدا ما وضعه الملك امام المجتمع الدولي. فالمشكلة ليست فقط في وقوع المأساة، وانما في أن استمراراها قد يجعلها مألوفة. والمألوف في السياسة الدولية، قد يكون أخطر من الصادم. توجد في قلب خطاب الملك فكرة شديدة الوضوح؛ وهي أن المجتمع الدولي أمضى عقودا في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلا من حله، وهذه العبارة تستحق أن تتوقف عندا العواصم الكبرى طويلا؛ لأن إدارة الصراع تعني أن يبقى الصراع قائما، ولكن بدرجات مختلفة من العنف، وتعني وقفا مؤقتا لإطلاق النار هنا، ومفاوضات هناك، ومؤتمر سلام في مكان آخر، ثم يعود كل شيء الى النقطة نفسها.
أما الحل فهو شيء آخر، يعني إنهاء الاحتلال، وانهاء دوامة العنف، والوصول الى تسوية سياسية تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتحقق العدالة لجميع الأطراف، وذلك لتوفير الامن والسلام للمنطقة بأكملها ضمن إطار سياسي قابل للاستمرار. ولهذا ظل الأردن يطرح حل الدولتين باعتباره المسار السياسي الذي يمكن أن يقود الى سلام دائم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد سنوات طويلة من إدارة الأزمة هو: كم من الوقت يستطيع العالم أن يدير الصراع قبل أن يصبح الصراع هو الذي يدير العلم؟ غزة ليست جزيرة معزولة، وهذا من أهم ما حمله خطاب الملك والذي أكد فيه رفض التعامل مع غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس، وهذا ليس تفصيلا سياسيا، لأن فصل الجغرافيا الفلسطينية عن بعضها يمكن ان يقود عمليا الى فصل القضية نفسها الى ملفات منفصلة كملف انساني هنا، وملف أمني هناك، وملف سياسي في مكان آخر.
وعندها تضيع الصورة الكبرى التي تقول إن القضية الفلسطينية ليست أزمة مساعدات فقط، وليست أزمة إعادة إعمار فقط، وليست أزمة أمنية فقط. إنها قضية سياسية وقانونية وإنسانية تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته. ومن هنا جاءت تحذيرات الملك من الإجراءات التي تغير الواقع على الأرض في الضفة الغربية، ومن تداعياتها على إمكانية الوصول الى حل الدولتين. فالوقائع التي تفرض اليوم على الأرض قد تصبح غدا عقبات امام أي حل سياسي، وهنا تكمن الخطورة؛ فالزمن ليس محايدا، بل يكون الزمن نفسه جزءا من الصراع.
إن الأردن لا يتحدث من بعيد، حيث ان هناك من ينظر الى الموقف الأردني من القضية الفلسطينية باعتباره موقفا دبلوماسيا تقليديا، لكن هذا التفسير يغفل حقيقة أساسية وهي أن الأردن ليس مراقبا لما يحدث في فلسطين، فالأردن دولة مجاورة، وأمنها واستقرارها يتأثران مباشرة بما يجري حولها. ولهذا عندما تحدث الملك عن الضفة الغربية، أو القدس، او غزة، او سوريا، فإنه لا يتحدث فقط من موقع سياسي، وانما يتحدث أيضا من موقع دولة تدرك أن انفجار المنطقة لا يتوقف عند حدود الخرائط؛ حيث ان الحروب تنقا اثارها عبر الحدور، والهجرة تنتقل عبر الحدود، والتهريب والجريمة المنظمة والتطرف والفوضى الاقتصادية لا تعترف بالحدود. حتى أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار يمكن ان تدفع ثمن الأزمات التي تبدأ بعيدا عن الأسواق التي يشعر بها المواطن. ولهذا فان استقرار الأردن ليس قضية أردنية داخلية فقط، بل جزء من استقرار الإقليم. القدس ... حيث لا يحتمل الأردن المنطقة الرمادية، فحين يصل الحديث الى القدس، يصبح الموقف الأردني أكثر حساسية. فالقدس ليس بالنسبة الى الأردن مجرد ملف دبلوماسي، بل انها ترتبط بتاريخ الدولة ودورها في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبالوصاية الهاشمية التي يؤكد الأردن استمرارها. ولهذا فان الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات ليس بالنسبة الى عمان قضية هاشمية يمكن تأجيلها الى ما بعد التسوية، بل هو جزء من أي تصور أردني للسلام والاستقرار.
والرسالة التي يحملها الأردن هنا واضحة: لا يمكن صناعة السلام في المنطقة عبر تغيير هوية القدس او فرض أمر واقع جديد فيها. اما الأخطر فهو عندما يصبح القانون الدولي انتقائيا، ربما هنا تصل رسالة الملك الى أبعد نقطة. لأن القضية الفلسطينية ليست الاختبار الوحيد للقانون الدولي، لكنها بالتأكيد واحدة من أكثر القضايا التي تكشف التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية. العلم يتحدث عن السيادة، ويتحدث عن القانون الدولي، ويتحدث عن حماية المدنيين، ويتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكن الشعوب لا تقيس النظام الدولي بما يقوله في البيانات، بل بما يفعله عندما تكون القواعد موضع اختبار.
وهنا يصبح السؤال التالي محرجا: هل القانون الدولي قاعدة واحدة للجميع، أم أنه يصبح أقوى أو أضعف بحسب هوية الطرف الذي يقف أمامه؟ إن لم تكن القاعدة واحدة، فان المشكلة لا تعود في نزاع بعينه، بل تصبح في النظام نفسه، وهذه تحديدا هي الرسالة التي تجعل خطاب الأردن في الأمم المتحدة يتجاوز حدود القضية الفلسطينية. إن الدبلوماسية الأردنية ليست صمتا ولا استسلاما، ففي منطقة تمتلئ بالاستقطاب، اختار الأردن على مدى سنوات العمل من خلال الدبلوماسية والحوار والعلاقات الدولية. وقد أكد جلالة الملك أن اعتماد الدبلوماسية لا يعني التخلي عن القيم او ان يفهم على أنه ضعف، وهذه نقطة تستحق التوقف. فالدبلوماسية ليست ان توافق على كل شيء، وليست أن تصمت عن كل شيء.
الدبلوماسية هي أن تحافظ على قنوات التواصل بينما تتمسك بثوابتك، وان تتحدث مع المختلف معك دون أن تتخلى عن موقفك، وان تحاول منع الحرب دون ان تقبل ان يصبح منع الحرب بديلا عن معالجة أسبابها. هذا هو أحد التحديات الت يواجهها الأردن في منطقة لا تمنح الدول الصغيرة مساحة واسعة للمناورة.
أما بالنسبة لسوريا؛ فالأردن يرفع صوته، فلم يكن الحديث الملكي محصورا على فلسطين، فقد تطرق الى سوريا، والى المخاطر المرتبطة بالتطورات في الجنوب السوري والتوغلات الإسرائيلية، وربط ذلك مباشرة بالأمن الوطني الأردني، بما في ذلك امن الحدود والمياه. وهنا تظهر صورة أوسع للسياسة الأردنية. الأردن لا يريد ان تتحول حدود المنطقة الى سلسلة من مناطق النفوذ المتنافسة. لان أي تغيير بالقوة في دولة مجاورة يمكن أن ينتج تغييرا في الدولة التي تليها. وهكذا يصبح الشرق الأوسط اما معادلة خطيرة.
إذا أصبح فرض الأمر الواقع بالقوة مقبولا في مكان، فمن يضمن ألا يصبح قاعدة في مكان آخر؟ إن السؤال الحقيقي ليس ماذا قال الملك، فلقد سمع العالم ما قاله الملك، لكن السؤال الأهم هو: هل سيفعل العالم شيئا بما سمعه؟ هذه هي النقطة التي يجب الا تضيع وسط العناوين، فالأمم المتحدة ليست فقيرة بالكلمات. لديها الاف الخطب والقرارات والبيانات والتوصيات؛ ما ينقصها ليس دائما الكلمات، وانما القدرة على تحويل المبادئ الى أفعال. لهذا فان قيمة أي خطاب دولي لا تقاس فقط ببلاغته، وانما بما يتركه وراءه من حركة سياسية حقيقية. هنا يعود خطاب الملك الى جوهر المشكلة.
إذا كان العالم يعرف ان استمرار الصراع يؤدي الى مزيد من العنف والتطرف والنزوح وعدم الاستقرار، وإذا كان يعرف ان حل الدولتين يتآكل مع مرور الوقت، واذا كان يعرف ان تغيير الواقع على الأرض يجعل الحل أكثر صعوبة، فلماذا الانتظار؟ الأردن لا يطلب المستحيل ولا يطرح نفسه كقوة عظمى، ولا يملك العديد من أدوات الضغط التي تملكها الدول الكبرى. لكنه يطرح موقفا بسيطا في جوهره وهو: لا يمكن بناء استقرار حقيقي فوق أزمة مستمرة، ولا يمكن انهاء العنف من دون معالجة أسبابه، ولا يمكن الحديث عن سلام دائم من دون حقوق وعدالة وقانون، ولا يمكن أن تستعيد المؤسسات الدولية هيبتها وثقة الشعوب إذا بدت قواعدها قابلة للتطبيق في مكان وغير قابلة للتطبيق في مكتن آخر. هذه ليست معادلات أردنية فقط؛ انها أسئلة تخص النظام الدولي كله.
كلمة أخيرة من عمّان الى نيويورك: ربما كانت أقوى رسالة في خطاب الملك عبدالله الثاني هي أن العالم لا يعاني من نقص المعلومات، بل من نقص الفعل. نحن نعرف ما يحدث، ونعرف اين توجد الحروب، ونعرف اين يموت المدنيون، ونعرف اين يعيش الملايين تحت وطأة النزوح والخوف، ونعرف أيضا ان تأجيل الحلول لا يلغي الازمات، بل يجعلها أكثر تعقيدا. ولهذا فان خطاب الأردن من نيويورك يمكن اختصاره في سؤال واحد: الى متى يستطيع العالم ان يراقب الازمات من بعيد قبل ان يدفع ثمن استمرارها من قريب؟ فغزة ليست خبرا ينتهي بانتهاء النشرة الإخبارية، والضفة الغربية ليست مجرد خريطة، والقدس ليست تفصيلا في مفاوضات مؤجلة، والأردن ليس جزيرة معزولة عن محيطها، والقانون الدولي ليس قائمة مبادئ تستخرج عندما تتفق مع مصالح الأقوياء.
ان العالم امام اختبار حقيقي، وليس امام اختبار لغوي، والاختبار ليس في قدرة القادة على إلقاء الخطب. الاختبار في قدرة المجتمع الدولي على ان يفعل شيئا بعد انتهاء الخطب. من هنا، فان الرسالة التي خرجت من نيويورك ليست فقط "انظروا الى ما يحدث". بل ربما كانت "لقد رأيتم، لقد عرفتم، والان ماذا ستفعلون؟ ".
ذلك هو السؤال الذي سيبقى بعد ان تنطفئ أضواء قاعة الأمم المتحدة، وتعود الوفود الى عواصمها، وتتحول الكلمات الى أرشيف. فاذا لم يتحول الانتباه الى فعل، فإن أخطر ما يمكن ان يحدث ليس أن ينسى العالم المأساة. بل أن يتعلم كيف يتعايش معها.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |