هيبة جلاله الملك والصوت الهاشمي في الأمم المتحدة"


رم -



الكاتب : الدكتور عُدي تركي الفواعير

في كل محفل دولي، يُثبت جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم - حفظه الله ورعاه - أن للأردن حضوراً يتجاوز مساحته الجغرافية، وأن قوة الدولة لا تقاس بحجمها، وإنما بثبات مواقفها، ووضوح رؤيتها، وقدرة قيادتها على الدفاع عن مصالحها وقضاياها بثقة واتزان.

هيبة جلالة الملك، وقوة شخصيته، وحضوره المتزن والمشرف، أصبحت ملامح يعرفها العالم في كل مناسبة دولية. وعندما يتحدث جلالته، يتحدث الأردن بثوابته ومبادئه، وبإرادة قائد عرف كيف يحافظ على وطنه في أصعب الظروف، وكيف يجعل من الدبلوماسية أداة للسلام، ومن الحوار طريقاً للحلول، ومن الثبات على الموقف عنواناً للسياسة الأردنية.

وفي الأمم المتحدة، كما في كل المحافل الدولية، يعرف العالم مساعي جلالة الملك من أجل السلام، وحرصه على حماية الأردن والحفاظ على أمنه واستقراره، وتمسكه بحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحمل أمانة الوصاية الهاشمية عليها، والدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

لقد كان حضور جلالة الملك اليوم امتداداً لهذا النهج؛ حضور قائد يتحدث بثقة، ويطرح الموقف الأردني بوضوح، دون تردد أو مواربة، ويؤكد أن السلام الذي ينشده الأردن لا يمكن أن يكون على حساب الحق، ولا على حساب الإنسان، ولا على حساب أمن الوطن ومصالحه.

ومن هنا جاء عنوان مهم في خطاب جلالته: المساءلة تبدأ بتسمية الأمور بمسمياتها.

فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يتحدث عن السلام والاستقرار بينما تستمر الأزمات دون معالجة جذورها، ولا يمكن أن تبقى المأساة الإنسانية في غزة مجرد أرقام وتقارير، ولا أن يستمر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون أفق سياسي واضح، ثم يُطلب من المنطقة أن تعيش في أمن واستقرار.

لقد كان الأردن، وعلى مدى عقود، من أكثر الدول تحذيراً من خطورة إبقاء القضية الفلسطينية دون حل. واليوم، أعاد جلالة الملك التأكيد على أن استمرار الصراع لن يقود إلى السلام، وأن تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني سيبقي المنطقة أسيرة الأزمات وعدم الاستقرار.

وكانت غزة حاضرة بقوة في الخطاب، باعتبارها مأساة إنسانية لا يمكن تجاوزها، وباعتبار أن ما يجري فيها يستوجب موقفاً دولياً مسؤولاً. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تقدم حلاً دائماً؛ فهي لا تطعم الجائع، ولا تضمن عودة المهجر إلى وطنه، ولا تبني السلام.

ولهذا يتمسك الأردن بالدبلوماسية والحوار، ولكنها دبلوماسية لا تعني التخلي عن المبادئ، ولا تعني الصمت أمام الظلم، وإنما تقوم على القيم الإنسانية والقانون والسعي إلى حلول سياسية تحقق السلام والاستقرار.

فالأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه؛ ثابت في مواقفه، واضح في مبادئه، ومستعد للحوار مع الجميع، والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.

وفي قلب هذه الرؤية تأتي القدس.

فالهاشميون حملوا أمانة القدس جيلاً بعد جيل، وجلالة الملك عبدالله الثاني يواصل هذه المسؤولية بكل ثبات، مؤكداً استمرار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

إن الدفاع عن القدس ليس بالنسبة للأردن موقفاً سياسياً عابراً، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية، ترتبط بمكانة المدينة المقدسة وبإرث هاشمي ممتد عبر عقود.

وفي الوقت الذي يحمي فيه الأردن المقدسات المسيحية والإسلامية، فإنه يواصل الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة أصوات الكراهية والتطرف، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الاعتدال والحوار والتعايش هي الطريق الذي تحتاجه المنطقة والعالم.

لكن جلالة الملك أكد في الوقت ذاته أن الأردن الذي يسعى إلى السلام يعرف جيداً كيف يحمي وطنه.

فأمن الأردن وحدوده ومياهه ومصالح شعبه خطوط لا يمكن تجاوزها. وأي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن القومي، والأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه بكل ما يملك من إرادة وقدرة.

وهنا تتجلى شخصية القيادة الأردنية: يد تمتد للسلام، وإرادة تحمي الوطن.

فالأردن لا يسعى إلى المواجهة، ولا يبحث عن التصعيد، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بأن تتحول الأزمات الإقليمية أو الأطماع التوسعية إلى تهديد لأمنه الوطني أو استقراره.

كما يواصل الأردن التصدي للإرهاب والتطرف والتحديات الأمنية العابرة للحدود، وفي مقدمتها تهريب المخدرات، بالتوازي مع تطوير قدراته الدفاعية، ليبقى قادراً على حماية حدوده ومقدراته وشعبه.

لقد كان خطاب جلالة الملك اليوم رسالة أردنية واضحة إلى العالم: إن الأردن دولة تؤمن بالسلام، لكنها تعرف كيف تحمي أمنها؛ دولة تؤمن بالحوار، لكنها متمسكة بثوابتها؛ دولة تحترم المجتمع الدولي، لكنها لا تتخلى عن حقوقها ومصالحها؛ وقيادة تمد يدها للجميع، لكنها تعرف جيداً أين تقف عندما يتعلق الأمر بأمن الأردن وكرامة شعبه.

ومن على منبر الأمم المتحدة، ظهر جلالة الملك كما عرفه العالم دائماً: حضوراً أردنياً مشرفاً، وهيبة قائد، واتزان رجل دولة، وصوتاً واضحاً لوطن يملك من الإرادة والثبات ما يجعله قادراً على مواجهة أصعب التحديات.

إنها هيبة الأردن في هيبة قيادته، وقوة الموقف في قوة الإرادة، ورسالة وطن اختار السلام طريقاً، والاعتدال نهجاً، والقدس أمانة، وحماية الوطن مسؤولية لا تقبل المساومة.

حفظ الله الأردن وطناً وشعباً وقيادة، وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا الغالي نعمة الأمن والاستقرار، وحمى الله الأردن وأهله من كل سوء.




عدد المشاهدات : (4133)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :