د. مهدي مبارك عبد الله
في واحدة من أكثر الرسائل العسكرية إثارة وغموضاً كشفت إيران للمرة الأولى بصورة علنية مع بداية الحرب عن الدور الحقيقي لغواصاتها الخفيفة التي يطلق عليها ضباط البحرية الإيرانية اسم ( دلافين الخليج ) وهي تسمية تبدو شاعرية في ظاهرها لكنها تخفي وراءها مفهوماً قتالياً شديد الخطورة يقوم على التمويه والصبر والاختباء في أعماق المياه الضحلة بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على السفن الحربية أو تعطيل خطوط الملاحة في مضيق هرمز أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم والذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية .
هذا التطور التقني اللافت في خطورته جعل هذه الغواصات مثار اهتمام استراتيجي متصاعد ليس بسبب حجمها أو تسليحها فحسب بل لطبيعة العقيدة العسكرية التي تتحرك ضمنها حيث لا تعتمد إيران في مواجهتها البحرية على مبدأ التفوق التقليدي بقدر اعتمادها على استنزاف الخصم وتشتيت تفوقه وتحويل البيئة البحرية الضيقة إلى ساحة كمائن دائمة لا تستطيع حاملات الطائرات ولا المدمرات العملاقة التحرك فيها بأريحية كاملة .
الإعلان الإيراني عن عمل الدلافين المقاتلة لم يكن مجرد استعراض إعلامي عابر بل بدا وكأنه انتقال متعمد من سياسة الغموض إلى سياسة التهديد المباشر فحين تحدث قائد البحرية الإيرانية الأميرال شهرام إيراني عن قدرة هذه الغواصات على الاستقرار في قاع البحر لفترات طويلة وتعقب السفن المعادية وتدميرها فإنه كان يبعث برسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة بحرية مستقبلية لن تكون حرباً كلاسيكية بين أساطيل متقابلة بل حرب استنزاف خفية تتحرك فيها وحدات صغيرة وصامتة قادرة على شل الحركة التجارية والعسكرية في لحظات حرجة وهذا ما يفسر اختيار اسم الدلافين لان الدلفين في الطبيعة كائن سريع وذكي ومرن ويتحرك بخفة في المياه الضيقة وهي الصفات نفسها التي تريد طهران إضفاءها على هذه الغواصات التي تشكل جزءاً من فلسفة “الحرب غير المتكافئة” التي تبنتها إيران منذ سنوات طويلة .
الغواصات الإيرانية الصغيرة ليست مجرد معدات بحرية تقليدية بل هي امتداداً مباشر لمنظومة الردع الإيرانية متعددة الطبقات خاصة وان إيران تدرك جيداً أنها لا تملك القدرة الكافية على مجاراة البحرية الأميركية أو الغربية من حيث عدد القطع البحرية أو التكنولوجيا الثقيلة لكنها بالمقابل تسعى إلى امتلاك أدوات تجعل أي هجوم عليها مكلفاً ومعقداً وغير مضمون النتائج ومن هنا ظهرت أهمية الغواصات الدلفينية الصغيرة التي تتمتع بقدرة عالية على التخفي والعمل في المياه الضحلة التي يصعب على الغواصات الضخمة المناورة داخلها كما أنها تبقى أقل كلفة وأكثر مرونة ويمكن نشرها بأعداد كبيرة في وقت قصير ما يجعلها سلاحاً مثالياً لحرب المضائق والممرات البحرية الحساسة .
بحسب المختصين خطورة هذه الغواصات المتصاعدة تنبع أيضاً من البيئة الجغرافية الخاصة بمضيق هرمز الذي لا يعتبر بحراً مفتوحاً بل ممر مائي ضيق ومزدحم بالسفن التجارية وناقلات النفط والبوارج العسكرية وهذا التواجد الكثيف يمنح الغواصات الصغيرة أفضلية تكتيكية هائلة لأنها تستطيع الاختباء بين الحركة الكثيفة للسفن أو الاستقرار في قاع البحر بانتظار مرور هدف معين كما أن ضحالة المياه النسبية تقلل من فعالية بعض أنظمة الرصد والمتابعة التقليدية المستخدمة في اكتشاف الغواصات الكبيرة ولهذا فإن أي انتشار واسع لهذه الدلافين يعني عملياً أن حركة الملاحة العالمية يمكن أن تصبح تحت رحمة وحدات قتالية صغيرة يصعب تعقبها أو التنبؤ بتحركاتها .
عمليا الية تشغيل هذه الغواصات تقوم على عنصرين أساسيين هما الصمت والإنهاك وهي لا تحتاج إلى خوض معارك بحرية واسعة لكي تحقق أهدافها بل يكفي أن تخلق حالة خوف دائمة لدى السفن التجارية والعسكرية وأن تدفع شركات التأمين إلى رفع تكاليف المرور وأن تجعل أي قوة بحرية مضطرة إلى تخصيص موارد ضخمة للمراقبة والحماية والتفتيش وهنا يتحول هذا السلاح الصغير إلى أداة استراتيجية ذات تأثير اقتصادي عالمي لأن مجرد التلويح بإغلاق المضيق أو التهديد به يؤدي إلى اضطرابات في أسعار النفط والأسواق الدولية حتى قبل وقوع أي اشتباك فعلي على الارض او في الاجواء .
الأمر الواضح هنا أن إيران تحاول عبر هذه الغواصات ترسيخ معادلة جديدة تقوم على أن أمن الملاحة في الخليج لم يعد مضموناً بالكامل للقوى الغربية وأن أي حصار اقتصادي أو ضغط عسكري يمكن الرد عليه عبر تهديد الشريان البحري العالمي وهذه الرسالة تتجاوز البعد العسكري إلى بعد سياسي واقتصادي شديد الحساسية لأن الغرب يعتمد بصورة أساسية على استمرار تدفق الطاقة عبر الخليج دون اضطرابات كبيرة ولهذا فإن دلافين الخليج ليست مجرد وحدات بحرية بل أدوات ضغط جيوسياسي تسعى إيران من خلالها إلى امتلاك أوراق تفاوض إضافية في أي مواجهة مستقبلية .
كما أن تكرار الحديث الإيراني عن ساحات قتال جديدة يكشف أن طهران لا تنظر إلى هذه الغواصات باعتبارها سلاحاً دفاعياً فقط بل هي جزءاً من مفهوم أوسع للحرب الحديثة التي تقوم على المفاجأة وتعدد الجبهات وتشتيت الخصم ومن خلال الجمع بين الغواصات الصغيرة والزوارق السريعة والطائرات المسيرة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية تستطيع إيران خلق شبكة تهديدات متداخلة تجعل أي تحرك بحري معاد محفوفاً بالمخاطر حتى لو امتلك تفوقاً نارياً وتقنياً هائلاً .
واقعيا لا يمكن فهم هذا التطور بعيداً عن التجارب التاريخية السابقة سيما وان الحروب البحرية الحديثة أثبتت مراراً أن القطع العسكرية العملاقة ليست دائماً قادرة على حسم المعارك أمام التكتيكات الصغيرة والمرنة وبالعودة الى حرب الناقلات خلال الثمانينيات استطاعت إيران عبر الألغام والزوارق السريعة أن تفرض ضغوطاً كبيرة على الملاحة الدولية رغم الفارق الهائل في موازين القوى واليوم تبدو دلافين الخليج امتداداً أكثر تطوراً لتلك العقيدة القائمة على استنزاف الخصم وإرباكه بدلاً من مواجهته مواجهة مباشرة .
الملاحظ أيضاً أن إيران تعمدت الكشف الإعلامي عن هذه الغواصات في توقيت شهد تصاعداً في التوترات الإقليمية والدولية ما يوحي بأن الإعلان نفسه كان جزء من المعركة النفسية وان الرسائل العسكرية لم تعد تقتصر على استعراض الصواريخ أو المناورات بل أصبحت تشمل صناعة صورة ذهنية لدى الخصم بأن المياه التي يتحرك فيها لم تعد آمنة بالكامل وهذا النوع من الردع النفسي قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من استخدام السلاح ذاته لأن الهدف ليس فقط التدمير بل خلق حالة دائمة من القلق وعدم اليقين .
في المقابل بعض المراقبين الغربيين يقللون من قيمة هذه الغواصات ويرون أنها لا تستطيع تغيير موازين القوى بشكل جذري إلا أن التاريخ العسكري يثبت أن الأسلحة الصغيرة حين تُستخدم ضمن بيئة مناسبة وعقيدة مرنة يمكن أن تتحول إلى أدوات مؤثرة للغاية لان الغواصة الصغيرة التي تكلف جزءاً بسيطاً من ثمن مدمرة حديثة قد تنجح في تعطيل حركة أسطول كامل أو إجبار قوة بحرية عظمى على إعادة حساباتها الميدانية وهذا بالضبط ما تراهن عليه إيران في استراتيجيتها البحرية .
التنبؤات والتوقعات العسكرية تشير الى أن أهمية هذه الغواصات ستزداد في المستقبل مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم عن بعد والحرب المسيرة وقد تتحول دلافين الخليج إلى منصات هجومية واستطلاعية أكثر استقلالية وقدرة على تنفيذ عمليات معقدة دون الحاجة إلى طواقم بشرية كبيرة وهو ما يفتح الباب أمام شكل جديد من الحروب البحرية التي تعتمد على أسراب الوحدات الصغيرة الذكية بدلاً من القطع البحرية التقليدية الضخمة .
للحقيقة المجردة إن ما يجري اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد استعراض عسكري عابر بل إعادة صياغة لمعادلات الردع البحري في واحدة من أخطر مناطق العالم وإيران تحاول أن تقول بوضوح إن السيطرة على البحار لم تعد حكراً على القوى العظمى وإن المياه الضيقة يمكن أن تتحول إلى مصيدة استراتيجية تستنزف حتى أكثر الأساطيل تقدماً وبينما تنظر واشنطن وحلفاؤها إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً لأمن الملاحة الدولية ترى طهران فيها حقاً مشروعاً وضروريا لحماية نفسها وفرض توازن ردع يمنع خصومها من التفكير بخيارات عسكرية سهلة أو منخفضة الكلفة وهكذا تتحول دلافين الخليج من مجرد غواصات صغيرة إلى رمز لعقيدة كاملة تقوم على تحويل الضعف التقليدي إلى مصدر قوة واستنزاف طويل الأمد في قلب أهم شريان للطاقة في العالم .
ختاما : ان دخول دلافين الخليج الى ساحة المعركة يكشف أن إيران لا تزال تحتفظ بترسانة عسكرية متطورة وقدرات ردع خفية لم تكشف عنها كاملة بعد وأنها مع كل مرحلة تصعيد تفاجئ خصومها بسلاح جديد أو تكتيك غير متوقع يؤكد أن عقود الحصار لم تكسر قدرتها على التطور والتكيف ولذلك فإن أي عودة أميركية إلى خيار تصعيد الحرب قد لا تقود إلى نصر سريع كما يتوهم البعض بل إلى مواجهة شاملة و مفتوحة ستكون مليئة بالمفاجآت القاسية في البر والبحر والجو حيث تبدو كلفة المغامرة العسكرية أكبر بكثير مما تتوقعه واشنطن وحلفاؤها . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |