التدخين في الأردن .. من عادةٍ اجتماعية إلى خطرٍ يستوجب خطةً وطنية


رم -

بقلم: علاء علي محمد الحويزان

 لم يعد التدخين في الأردن مجرد عادة يمارسها بعض الأفراد، بل أصبح ظاهرة اجتماعية وصحية واقتصادية مقلقة، امتد خطرها من الرجال إلى النساء، ومن البالغين إلى الشباب والأطفال، حتى باتت السيجارة والأرجيلة ومنتجات النيكوتين جزءًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية لكثير من الأردنيين.

 

والمشكلة الأخطر أن المجتمع بدأ يتعامل مع التدخين باعتباره أمرًا طبيعيًا ومألوفًا، رغم أن ثمن هذه العادة لا يدفعه المدخن وحده؛ بل تدفعه الأسرة من دخلها، ويدفعه القطاع الصحي من موازنته، ويدفعه الاقتصاد من إنتاجيته، ويدفعه المجتمع من صحة أفراده ومستقبل أجياله. ولهذا، فإن استمرار التعامل مع التدخين باعتباره مسألة فردية أو الاكتفاء بحملات توعية موسمية لم يعد كافيًا.

 

الأردن بحاجة إلى خطة وطنية شاملة وطويلة الأمد لمكافحة التدخين، تتبناها الدولة بأعلى مستوياتها، وتشارك فيها جميع مؤسساتها. المطلوب خطة وطنية لا حملة مؤقتة الحكومة مطالبة بإطلاق خطة وطنية لمكافحة التدخين لمدة خمس أو عشر سنوات، تكون لها أهداف واضحة ومؤشرات قياس سنوية، بحيث لا يكون النجاح فيها مجرد عقد مؤتمر أو إطلاق حملة إعلامية، وإنما انخفاض حقيقي في أعداد المدخنين، وخصوصًا بين الأطفال والشباب.

 

وينبغي أن تتضمن الخطة محاور متكاملة تبدأ بالوقاية، وتمر بالرقابة والتشريع والضرائب، وتنتهي بمساعدة المدخنين على الإقلاع. فالمشكلة كبيرة، وبالتالي يجب أن يكون التعامل معها على مستوى المشكلة.

أولًا: رفع الضريبة على التبغ بصورة كبيرة ومدروسة من أقوى الأدوات التي تستطيع الدولة استخدامها لتقليل استهلاك التبغ رفع الضرائب والأسعار بصورة مؤثرة. والواقع أن السعر المنخفض أو المتاح لمنتجات التبغ يجعل الوصول إليها سهلًا، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب وصغار السن. ولذلك يجب أن تتبنى الدولة سياسة ضريبية أكثر صرامة، بحيث تصبح منتجات التبغ أكثر كلفة، مع توجيه جزء من الإيرادات الإضافية الناتجة عن هذه الضرائب إلى تمويل برامج مكافحة التدخين وعلاج المدخنين الراغبين في الإقلاع. ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة إيرادات الخزينة؛ بل يجب أن يكون الهدف الأساسي تقليل الطلب على التبغ وحماية صحة المجتمع. ويجب كذلك مراجعة النظام الضريبي بصورة دورية، حتى لا تؤدي الفوارق الكبيرة بين أسعار المنتجات إلى انتقال المستهلك إلى منتجات أرخص، مع تعزيز مكافحة التهريب والتجارة غير المشروعة بالتوازي مع رفع الضرائب.

 

ثانيًا: حماية الأطفال والشباب إذا أرادت الدولة أن تنتصر في هذه المعركة، فعليها أن تمنع السيجارة الأولى قبل أن تتحول إلى إدمان. وهذا يتطلب تشديد الرقابة على بيع منتجات التبغ للقاصرين، ومراقبة المحال والأكشاك ونقاط البيع، وتشديد العقوبات على من يبيع هذه المنتجات للأطفال. كما يجب فرض رقابة صارمة على محيط المدارس والجامعات، ومنع أي شكل من أشكال الترويج أو التسويق الذي يستهدف الشباب، بما في ذلك المنتجات الإلكترونية ذات النكهات والأشكال الجاذبة لصغار السن. ويجب أن تصبح مكافحة التدخين جزءًا مستمرًا من المناهج والبرامج المدرسية، ولكن بطريقة حديثة ومقنعة، لا بمجرد تكرار عبارات التحذير التقليدية.

 

ثالثًا: تطبيق القانون بلا استثناء لا قيمة لقانون لا يُطبق. فمن غير المنطقي أن تكون هناك تشريعات تمنع التدخين في أماكن معينة، ثم يبقى المواطن يشاهد التدخين أمامه في المطاعم والمقاهي وأماكن العمل ووسائل النقل وغيرها. المطلوب هو إنشاء جهاز رقابي فعّال أو تعزيز الأجهزة القائمة، مع حملات تفتيش مستمرة ومفاجئة، وعقوبات واضحة ومتدرجة على المخالفين والمنشآت التي تسمح بالتدخين في الأماكن المحظورة. ويجب أن يشعر المواطن بأن منع التدخين ليس توصية اختيارية، وإنما قانون واجب الاحترام.

 

رابعًا: مساعدة المدخن على الإقلاع رفع الضرائب والتشديد على التدخين يجب أن يرافقه مسار آخر لا يقل أهمية: مساعدة المدخن على التخلص من الإدمان. ومن هنا يجب توسيع عيادات الإقلاع عن التدخين في المراكز الصحية والمستشفيات، وتوفير الاستشارات والعلاجات المناسبة بأسعار معقولة، وإدخال خدمات الإقلاع ضمن الرعاية الصحية الأولية. فالدولة لا ينبغي أن تقول للمدخن: "أقلع عن التدخين" فقط، ثم تتركه يواجه الإدمان بمفرده؛ بل عليها أن توفر له الطريق والوسائل والدعم.

 

خامسًا: حملة إعلامية وطنية مختلفة نحتاج إلى حملة وطنية طويلة الأمد، لا حملة إعلامية تنتهي بانتهاء ميزانيتها. يجب أن تستخدم التلفزيون والإذاعة ومواقع التواصل الاجتماعي والمدارس والجامعات والمساجد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وأن تخاطب كل فئة باللغة التي تناسبها. ويجب أن ننتقل من مجرد الحديث عن "أضرار التدخين" إلى الحديث عن تكلفته الحقيقية على الإنسان والأسرة والدولة. كم ينفق المدخن خلال سنة؟ وكم يخسر خلال عشر سنوات؟ وكم تكلف الأمراض المرتبطة بالتدخين القطاع الصحي؟ وما الذي يمكن أن تفعله الأسرة بهذا المال لو لم يذهب إلى شراء التبغ؟ هذه الأسئلة قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من عشرات الملصقات التحذيرية.

 

سادسًا: مواجهة الأرجيلة والتدخين الإلكتروني لا ينبغي أن تقتصر الخطة الوطنية على السجائر التقليدية. فالأرجيلة ومنتجات التبغ والنيكوتين الحديثة يجب أن تكون جميعها ضمن إطار رقابي موحد، لأن تغيير شكل المنتج لا يعني اختفاء مخاطره. كما يجب منع التسويق الذي يقدم منتجات النيكوتين بصورة جذابة أو عصرية أمام المراهقين، وتشديد الرقابة على استخدامها في الأماكن العامة.

 

سابعًا: ربط مكافحة التدخين بالاقتصاد والصحة يجب على الحكومة أن تنظر إلى مكافحة التدخين باعتبارها استثمارًا وطنيًا وليس عبئًا ماليًا. كل انخفاض في عدد المدخنين يعني أمراضًا أقل، وضغطًا أقل على المستشفيات، وإنفاقًا صحيًا أقل، وإنتاجية أعلى، وأسرًا أكثر قدرة على توجيه دخلها نحو التعليم والسكن والغذاء والاحتياجات الأساسية. ولهذا يمكن تخصيص نسبة من الإيرادات الإضافية الناتجة عن ضرائب التبغ لتمويل خطة مكافحة التدخين، بما في ذلك الرقابة والتوعية وعلاج الإدمان والبحوث والمسوح الوطنية.

 

المطلوب قرار سياسي واضح هذه القضية تحتاج إلى قرار واضح من الدولة بأن خفض معدلات التدخين أصبح هدفًا وطنيًا، وليس مجرد ملف ثانوي لدى وزارة الصحة. ويجب تحديد أهداف قابلة للقياس، مثل:

• خفض نسبة التدخين بين البالغين سنويًا.

• خفض التدخين بين طلبة المدارس والجامعات.

• رفع نسبة المدخنين الذين يحاولون الإقلاع وينجحون فيه.

• زيادة الالتزام بمنع التدخين في الأماكن العامة.

• تشديد الرقابة على بيع التبغ للقاصرين.

• رفع الضرائب بصورة تدريجية وقوية، مع قياس أثرها على الاستهلاك.

• تخصيص جزء من الإيرادات لبرامج مكافحة التدخين.

 

الخلاصة الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن مخاطر التدخين؛ فالمواطن يعرف أن التدخين مضر، لكن المعرفة وحدها لم توقف هذه الظاهرة. ما نحتاجه هو إرادة حكومية وخطة وطنية طويلة الأمد تجمع بين التشريع والرقابة والضرائب والتوعية والعلاج وحماية الأطفال. ورفع الضريبة على التبغ يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من هذه الخطة، لا باعتباره وسيلة لزيادة دخل الدولة فحسب، وإنما باعتباره أداة للحد من الاستهلاك، خصوصًا بين الشباب.

 

لقد حان الوقت لأن نتعامل مع التدخين باعتباره قضية أمن صحي واجتماعي واقتصادي. فالمعركة الحقيقية ليست مع السيجارة الموجودة في يد المدخن اليوم، وإنما مع السيجارة الأولى التي قد تكون في يد طفل غدًا. وإذا كانت الدولة قادرة على أن تضع خططًا لمواجهة الأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فمن الأولى أن تضع خطة وطنية صارمة لحماية صحة جيل كامل من الإدمان.

 

إن إنقاذ جيل من التدخين ليس رفاهية، بل مسؤولية دولة، ورفع كلفة التبغ، وتشديد الرقابة، وحماية الأطفال، وتوفير العلاج، كلها أدوات يجب أن تعمل معًا ضمن مشروع وطني واحد. فالدولة التي تريد مجتمعًا أقوى وأكثر إنتاجًا، عليها أن تبدأ بحماية الإنسان الذي يصنع هذا المجتمع.




عدد المشاهدات : (480)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :