قهوة مع النفس… من الغزالي إلى إنسان اليوم


رم -

أ.د. أمجد الفاهوم

قبل قرون طويلة، وفي ذروة حضوره العلمي ومكانته المرموقة في بغداد، اتخذ الإمام أبو حامد الغزالي قراراً بدا لمن حوله غريباً. ترك التدريس والمكانة التي وصل إليها، ودخل في رحلة طويلة لمراجعة ذاته والبحث عن المعنى واليقين.

 

لم تكن مشكلته نقصاً في العلم أو المكانة، فقد كان في موقع يتمناه كثيرون، وإنما كان السؤال أعمق: هل الطريق الذي نسير فيه هو الطريق الذي نريده حقاً؟ تذكرت هذه الرحلة وأنا أقرأ عنوان كتاب الدكتورة نشوى صلاح قهوة صباحية مع النفس.

 

بين زمن الغزالي وزمننا قرون طويلة، وتغيرت الأدوات والظروف وأنماط الحياة، لكن حاجة الإنسان إلى الجلوس مع نفسه لم تتغير كثيراً. بل ربما أصبحت هذه الحاجة اليوم أكبر. نستيقظ صباحاً فنفتح هواتفنا قبل أن نفتح نوافذنا. نراجع الرسائل والأخبار والمواعيد، وندخل سريعاً في سباق العمل والحياة.

 

نتحدث مع الزملاء والأصدقاء والأسرة، ونجيب عن عشرات الأسئلة، لكننا نؤجل سؤالاً بسيطاً: كيف حالنا نحن؟ يناقش كتاب قهوة صباحية مع النفس مجموعة من القضايا التي تبدو بسيطة في عناوينها، لكنها ثقيلة في أثرها: السعادة، والهدف، والشغف، والثقة بالنفس، والخوف، والتعامل مع المحن والأزمات.

 

وما يجمع بينها في تقديري سؤال واحد: هل نعرف أنفسنا بالقدر الذي نعتقد أننا نعرفها؟ فكثيراً ما نخلط بين النجاح والوصول. قد يصل الإنسان إلى منصب أراده، أو شهادة سعى إليها، أو مال جمعه، ثم يكتشف أن الوصول لم يمنحه الشعور الذي توقعه.

ليس لأن الإنجاز بلا قيمة، بل لأن قيمة الإنجاز ترتبط بالمعنى الذي نعطيه له. وهنا تلتقي فكرة الكتاب مع درس قديم في تراثنا هو محاسبة النفس. لم تكن محاسبة النفس عند علمائنا جلداً للذات ولا استدعاءً دائماً للأخطاء، وإنما مراجعة للسلوك والغاية والاتجاه.

 

وكان الغزالي من أبرز من كتبوا عنها، رابطاً بين معرفة الإنسان لنفسه وقدرته على إصلاح عمله ومساره. وهذا المفهوم يستحق أن نستعيده اليوم بلغة حياتنا المعاصرة. فالمؤسسات تجري مراجعات دورية لخططها. الشركات تراجع ميزانياتها. الجامعات تقيم برامجها.

 

المهندس يفحص النظام قبل أن يستمر في تشغيله. لكن الإنسان، وهو صاحب كل هذه القرارات، قد يمضي سنوات دون مراجعة حقيقية لمساره الشخصي. ماذا لو خصص كل منا عشر دقائق في بداية يومه لهذه المراجعة؟ ليس المطلوب أسئلة فلسفية معقدة. ثلاثة أسئلة قد تكفي: ماذا أفعل؟ لماذا أفعله؟ وهل ما أفعله اليوم يقربني فعلاً مما أريد أن أكون عليه غداً؟ وقد تكون الإجابات غير مريحة.

 

ربما نكتشف أننا نطارد هدفاً وضعه المجتمع لنا أكثر مما اخترناه نحن. أو نخشى قراراً لأننا نفكر في ردود أفعال الآخرين أكثر من تفكيرنا في نتائجه. وربما نكتشف أننا نصر على علاقة أو وظيفة أو فكرة انتهى دورها في حياتنا، لكننا نستمر فيها لأن الاعتراف بالحاجة إلى التغيير أصعب من الاستمرار. وهنا تظهر قيمة الصدق مع النفس. فالجلوس مع الذات لا يعني أن نخبر أنفسنا كل صباح أننا رائعون وأن كل شيء سيكون بخير. هذه رسائل جميلة، لكنها لا تكفي.

 

أحياناً نحتاج أن نقول لأنفسنا: أخطأت. وأحياناً: تأخرت. وأحياناً أخرى: هذا الطريق لم يعد مناسباً، وعليّ أن أغيره. الثقة بالنفس ليست أن نعتقد أننا لا نخطئ، بل أن نعرف أن الخطأ يمكن إصلاحه. والشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما ألا نعطي الخوف حق اتخاذ القرار نيابة عنا. ولعل هذا ما يجعل الحديث عن المحن مهماً أيضاً. فالإنسان لا يستطيع اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع، بدرجات متفاوتة، اختيار الطريقة التي يتعامل بها معه.

 

قد نخسر فرصة، أو نفشل في مشروع، أو نتعرض لخيبة ممن وثقنا بهم. بعض هذه التجارب يترك أثراً لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله بعد ذلك هو: ماذا سأفعل بما حدث؟ الغزالي احتاج إلى رحلة طويلة كي يعيد ترتيب علاقته بالعلم والحياة ونفسه. ونحن ربما لا نحتاج إلى الرحيل عن مدننا أو أعمالنا. قد نحتاج فقط إلى مساحة صغيرة من الهدوء وسط يوم مزدحم. لهذا وجدت عنوان قهوة صباحية مع النفس أوسع من مجرد عنوان كتاب. ففنجان القهوة هنا يمكن أن يكون موعداً يومياً للمراجعة.

 

دقائق بلا هاتف، ولا أخبار، ولا آراء الآخرين. نسأل فيها أنفسنا عن قرار نؤجله، وخطأ علينا إصلاحه، ونعمة اعتدنا وجودها حتى نسينا قيمتها، وهدف يستحق أن نعطيه شيئاً من يومنا. نحن نخطط لاجتماعاتنا ومشروعاتنا وسفرنا، ونضع مواعيد لكل شيء تقريباً. وربما حان الوقت أن نضع في جدولنا موعداً قصيراً مع الشخص الذي سيبقى معنا في كل تلك الرحلات: أنفسنا. وفي صباح الغد، عندما تضع فنجان القهوة أمامك، لا تبدأ بالسؤال: ماذا عليّ أن أنجز اليوم؟ جرّب أن تبدأ بسؤال آخر: أي إنسان أريد أن أكون عندما ينتهي هذا اليوم؟ قد لا تجد الإجابة مع أول رشفة، لكن مجرد أن تبدأ بالسؤال يعني أنك بدأت تنظر إلى الطريق، لا إلى سرعة السير فيه فقط.




عدد المشاهدات : (513)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :