رم - قد تجلس في مقهى مزدحم، تضع هاتفك على الطاولة، ثم تفتح أحد التطبيقات لتجد أنه يتفاعل بطريقة تبدو وكأنه يعرف شيئًا عن المكان والأشخاص المحيطين بك.
وهذا المشهد قد يثير تساؤلات حول قدرة الهاتف على استشعار ما يجري حوله، وما إذا كانت أجهزتنا قادرة فعلًا على معرفة الأشخاص الموجودين بالقرب منا.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من فكرة أن الهاتف يستطيع ببساطة رؤية كل من يقف بجانب مستخدمه. فالأجهزة الحديثة تحتوي على مجموعة واسعة من المستشعرات وتقنيات الاتصال التي يمكنها جمع معلومات عن البيئة المحيطة. لكن قدرتها على تحديد الأشخاص القريبين تختلف بحسب الجهاز والتطبيق والأذونات الممنوحة له.
تفاصيل البيئة المحيطة
تضم الهواتف الذكية الحديثة كاميرات وميكروفونات ومستشعرات للحركة والقرب والضوء، إلى جانب تقنيات اتصال مثل البلوتوث والواي فاي. وتعمل هذه المكونات بصورة مختلفة، ويمكن لبعض التطبيقات الاستفادة منها عند حصولها على الأذونات اللازمة.
وعلى سبيل المثال، يستطيع مستشعر القرب اكتشاف وجود جسم قريب من الهاتف، بينما تستطيع الكاميرا التقاط صور وتحليل محتواها باستخدام تقنيات معالجة الصور والذكاء الاصطناعي. لكن وجود هذه المستشعرات لا يعني أن الهاتف يحدد تلقائيًا هوية كل شخص موجود بجانب المستخدم.
تقنيات الإتصال
يمكن لتقنيات الاتصال اللاسلكي، وفي مقدمتها البلوتوث، اكتشاف بعض الأجهزة الموجودة في النطاق القريب عندما تسمح إعدادات النظام والتطبيق بذلك. وهذا قد يساعد التطبيقات والخدمات على معرفة وجود أجهزة أخرى في المحيط، مثل سماعات لاسلكية أو ساعات ذكية أو أجهزة إلكترونية أخرى.
ويمكن لتقنية البلوتوث اكتشاف بعض الأجهزة الموجودة في النطاق القريب، عندما تسمح إعدادات الجهاز بذلك. وفي بعض الحالات، قد يظهر اسم الجهاز للهواتف القريبة، خصوصًا عندما يكون الجهاز في وضع يسمح باكتشافه.
وإذا كان المستخدم قد غيّر اسم هاتفه أو جهازه إلى اسمه الشخصي، فقد يظهر هذا الاسم للأجهزة القريبة بدلًا من الاسم الافتراضي للجهاز، بحسب إعدادات النظام وإصدار البلوتوث. لكن ظهور الاسم لا يعني أن الهاتف يستطيع التأكد من أن الشخص الموجود بجانب الجهاز هو صاحب الإسم بالفعل. فالاسم الذي يظهر هو ببساطة الذي اختاره المستخدم لجهازه.
كما أن أنظمة الهواتف الحديثة تتخذ إجراءات مختلفة للحد من إمكانية تتبع الأجهزة، وقد تستخدم معرّفات متغيرة أو تحد من إمكانية اكتشاف الجهاز بشكل مستمر.
وبالتالي، يستطيع البلوتوث في بعض الظروف أن يكشف وجود جهاز قريب وربما اسمه، لكنه لا يكشف تلقائيًا هوية الشخص الذي يحمل الجهاز. وتعتمد المعلومات التي يمكن جمعها على التقنية المستخدمة وإعدادات الخصوصية ونظام التشغيل والأذونات التي يمنحها المستخدم للتطبيق.
الذكاء الاصطناعي
أدى تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرؤية الحاسوبية إلى زيادة قدرة الأجهزة على تحليل الصور والمقاطع المرئية. ويمكن لبعض الأنظمة التعرف إلى عناصر داخل الصورة، مثل الأشخاص والأجسام والحركة، عندما تتوفر لها صورة أو فيديو يمكن تحليله.
لكن هذا يختلف عن قدرة الهاتف على معرفة هوية شخص لمجرد وقوفه بجانب الجهاز. فالتعرف إلى شخص بعينه يتطلب عادةً بيانات أو تقنيات إضافية، وقد يخضع لقيود قانونية وتقنية تختلف من نظام إلى آخر.
الخصوصية تعتمد على الأذونات
تلعب أذونات التطبيقات دورًا أساسيًا في تحديد نوع البيانات التي يمكن للتطبيق الوصول إليها. ويمكن لأنظمة الهواتف الحديثة منح المستخدم خيارات للتحكم في الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والموقع وبعض المستشعرات والاتصالات.
ولهذا، فإن مراجعة أذونات التطبيقات وإيقاف الصلاحيات غير الضرورية يمثلان خطوة مهمة للحفاظ على الخصوصية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتطبيقات التي لا تحتاج فعليًا إلى الوصول إلى بيانات حساسة لأداء وظيفتها الأساسية.
وفي الختام يمكن القول أن هاتفك قد يمتلك قدرة كبيرة على استشعار البيئة المحيطة وتحليل بعض البيانات، لكن ذلك لا يعني أنه يعرف تلقائيًا كل شخص يقف بجانبك أو يتعرف إلى هويته.
وبين المستشعرات وتقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي، أصبحت الهواتف قادرة على جمع وتحليل إشارات أكثر من أي وقت مضى. ويبقى السؤال الأهم متعلقًا بكيفية استخدام هذه القدرات، وما البيانات التي يسمح المستخدم للتطبيقات بالوصول إليها، وكيف تحمي أنظمة التشغيل هذه المعلومات.