رم - مُصَادَفَةٌ حَدَثَتْ مَعِي شَخْصِيًّا عَامَ ٢٠٠٧م. !!!
أَسْمَيْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: «بَيْنَ كِتَابٍ وَقَبْرٍ».
فِي عَامِ 2007م ، بَيْنَمَا كُنْتُ فِي وسط البلد- الأردن - عَمَّانَ، أَتَجَوَّلُ كَعَادَتِي بَيْنَ الْمَكْتَبَاتِ، وَتَقْلِيبِ صَفَحَاتِ الْكُتُبِ، وَالْبَحْثِ عَنْ كِتَابٍ يَفْتَحُ لِي بَابًا إِلَى عَالَمٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ. مُتْعَةً لَا تُضَاهِيهَا مُتْعَةٌ ….
وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَجَوَّلُ بَيْنَ رُفُوفِ إِحْدَى الْمَكْتَبَاتِ، اسْتَوْقَفَنِي كِتَابٌ بِعُنْوَانِ «تاريخ الْحَضَارَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ في بلاد الشام » لِلْمُؤَلِّفِ الدكتور إِحْسَانِ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
جَذَبَنِي عُنْوَانُهُ، وَاسْتَمَالَتْنِي صَفَحَاتُهُ، فَاشْتَرَيْتُهُ بِبَخْسِ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ، َلَكِنَّهُ غَالِيَ القِيمَةِ، عَظِيمَ النَّفْعِ
حَمَلْتُ الْكِتَابَ، وَاسْتَقْلَلْتُ الْحَافِلَةَ مُتَوَجِّهًا إِلَى وَادِي السِّيرِ.
حَيْثُ كُنْتُ إِمَامًا وَخَطِيبًا فِي مَسْجِدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حينها…
وَحِينَ وَصَلْتُ وَادِي السِّير، نَزَلْتُ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمُجَمَّعِ، ثُمَّ سَلَكْتُ طَرِيقِيَ الْمُعْتَادَ إِلَى بيتي، وَكَانَ الطَّرِيقُ يَمُرُّ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ فِي وَادِي السِّيرِ. كَانَ طَرِيقًا جَبَلِيًّا تَتَخَلَّلُهُ دَرَجَاتٌ طَوِيلَةٌ، يَصْعَدُهَا الْمَرْءُ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، وَكَأَنَّ الطَّرِيقَ نَفْسَهُ يَدْعُوهُ إِلَى التَّأَمُّلِ وَالِاعْتِبَارِ.
كَانَ الْكِتَابُ فِي يَدِي، وَكُنْتُ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ أُلْقِي نَظَرَاتٍ عَلَى الْقُبُورِ الْمُمْتَدَّةِ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي.
وَفَجْأَةً…وَقَعَ بَصَرِي عَلَى قَبْرٍ تَوَقَّفَتْ عِنْدَهُ خُطُوَاتِي، وَتَوَقَّفَتْ مَعَهَا أَفْكَارِي.
اقْتَرَبْتُ قَلِيلًا، فَإِذَا الِاسْمُ الْمَنْقُوشُ عَلَى الْقَبْرِ هُوَ:
(د. إِحْسَانُ عَبَّاسٍ، تُوُفِّيَ عَامَ 2003م) حَسَبَ ذَاكِرَتِي الْآنَ.
نَظَرْتُ إِلَى الِاسْمِ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي أَحْمِلُهُ فِي يَدِي…. الْكِتَابُ:«تاريخ الْحَضَارَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ في بلاد الشام».
وَفِي يَدِي كِتَابٌ يَحْمِلُ اسْمَ صَاحِبِهِ،
وَأَمَامَ عَيْنَيَّ قَبْرُ صَاحِبِهِ!
كَانَ الْمَشْهَدُ غَرِيبًا إِلَى حَدٍّ أَنَّنِي شَكَكْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِنَفْسِي: أَكُنْتُ فِي يَقَظَةٍ أَمْ فِي حُلْمٍ؟!
وَقَفْتُ طَوِيلًا أَتَأَمَّلُ هَذَا اللِّقَاءَ الْعَجِيبَ بَيْنَ كِتَابٍ سَاقَهُ إِلَيَّ الطَّرِيقُ، وَقَبْرٍ جَمَعَنِي بِصَاحِبِهِ فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهِ.
كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ رَحَلَ عَنِ الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَوَاتٍ، وَكُنْتُ أَحْمِلُ أَثَرًا مِنْ عِلْمِهِ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ وَجَدْتُ نَفْسِي فَجْأَةً وَاقِفًا أَمَامَ مَثْوَاهُ الْأَخِيرِ.
وَتَسَاءَلْتُ فِي نَفْسِي:
مَا سِرُّ هَذِهِ الْمُصَادَفَةِ؟
لَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ مُصَادَفَةٍ عَابِرَةٍ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَذْكِيرًا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرْحَلُ، لَكِنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى؛ يَبْقَى فِيمَا خَطَّهُ قَلَمُهُ، وَنَشَرَهُ عِلْمُهُ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ.
وَرُبَّمَا كَانَ أَعْظَمُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يَمُرُّ بِقَبْرِهِ أَلَّا يُطِيلَ الْوُقُوفَ عِنْدَ اسْمِهِ، بَلْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهِ يَدُ الدُّعَاءِ،
فَوَقَفْتُ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَقَرَأْتُ الْفَاتِحَةَ، وَدَعَوْتُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ.
ثُمَّ تَابَعْتُ طَرِيقِي إِلَى الْمَسْجِدِ، لَكِنَّنِي لَمْ أُتَابِعْهُ كَمَا بَدَأْتُهُ.
فَقَدْ عَلَّمَتْنِي تِلْكَ اللَّحَظَاتُ دَرْسًا لَنْ أَنْسَاهُ:
أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَبْقَى بَعْدَ صَاحِبِهِ،
وَأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَمْتَدُّ عُمْرُهُ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ،
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرْحَلُ عَنِ الدُّنْيَا لَكِنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى شَاهِدًا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ يُقَدِّرُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ اللِّقَاءَاتِ مَا لَا يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ!
رَحِمَ اللَّهُ الدكتور إِحْسَانَ عَبَّاسٍ، وَرَحِمَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، وَجَعَلَ الْعِلْمَ الَّذِي خَلَّفُوهُ صَدَقَةً جَارِيَةً فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِهِم ….
️د. نشأت نايف الحوري