"حين نصالح أنفسنا"


رم - الكاتب : الدكتور عُدي تركي الفواعير

ربما أكثر شخص ظلمناه في هذه الحياة هو نحن ،،،
أعطينا الآخرين أعذاراً كثيرة وتفهمنا أخطاءهم وقلنا ربما كانوا متعبين أو لم يقصدوا أو لم يعرفوا كيف يتصرفون
لكننا عندما يتعلق الأمر بنا ننسى كل هذه الرحمة ونبدأ بمحاسبة أنفسنا على كل كلمة وكل قرار وكل فرصة ضاعت

أحياناً يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها أنه لا يحتاج إلى شيء بقدر حاجته إلى أن يرتاح من نفسه
يرتاح من التفكير في أشياء انتهت ومن أسئلة لا جواب لها ومن مواقف يتمنى لو عاد بها الزمن حتى يتصرف بطريقة مختلفة

لكن الحقيقة أن الماضي لا يعود
وأن الإنسان في كل مرحلة من حياته يتصرف بما كان يعرفه وقتها وبما كان يستطيع أن يفعله
قد نخطئ وقد نتردد وقد نختار الطريق الخطأ ثم نكتشف بعد سنوات أن الطريق الذي اخترناه لم يكن مناسباً لنا
وهذا لا يعني أننا فشلنا في الحياة
بل يعني أننا كنا نعيش ونتعلم ونكتشف أنفسنا

التصالح مع النفس لا يعني أن نبرر أخطاءنا ولا يعني أن نتوقف عن تطوير أنفسنا
يعني أن نعترف بالخطأ ثم نتعلم منه وأن نعتذر عندما نحتاج إلى الاعتذار وأن نحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه ثم نترك ما مضى في مكانه

كم من إنسان يعيش اليوم وهو يقارن نفسه بغيره
يرى شخصاً سبقه في العمل أو الزواج أو النجاح أو تحقيق الأحلام فيشعر أنه تأخر
وينسى أن لكل إنسان قصته وأن ما نراه من حياة الآخرين ليس إلا جزءاً صغيراً منها
لا نعرف كم تعبوا ولا كم مرة سقطوا ولا كم ليلة ناموا وهم يحملون القلق نفسه الذي نحمله نحن

الحياة ليست سباقاً يصل فيه الجميع في الوقت نفسه
هناك من يصل مبكراً وهناك من يحتاج إلى وقت أطول وهناك من يغير طريقه أكثر من مرة حتى يجد المكان الذي يشعر فيه بأنه بخير
وليس من العدل أن نقيس حياتنا بساعة الآخرين

ومن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان أن يتوقف عن محاولة إرضاء الجميع
أن يعرف أن هناك من سيحبه وهناك من لن يفهمه وهناك من سيحكم عليه دون أن يعرف قصته
وأن هذا كله لا يجب أن يسرق منه راحته

عندما يتصالح الإنسان مع نفسه يصبح أكثر هدوءاً
لا لأنه أصبح بلا مشاكل بل لأنه لم يعد يحول كل مشكلة إلى حرب داخلية
إذا أخطأ أصلح
وإذا أخطأ بحق شخص اعتذر
وإذا خسر شيئاً حزن عليه ثم أكمل طريقه
وإذا تأخرت أمنية لم يفقد الأمل

وربما أجمل ما في التصالح مع النفس أن نتعلم الرحمة
أن ننظر إلى أنفسنا كما ننظر إلى شخص نحبه
إذا أخطأ لا نحطمه
وإذا تعثر لا نذكره كل يوم بسقوطه
بل نمد له يدنا ونقول له حاول من جديد

وهكذا يجب أن نتعامل مع أنفسنا

لا تجعل خطأً قديماً يحدد قيمتك
ولا تجعل خسارة واحدة تقنعك بأنك خاسر
ولا تجعل تأخراً في الوصول يجعلك تشعر بأنك متأخر عن الحياة

خذ من الماضي حكمته واترك منه ألمه
سامح من استطعت أن تسامحه
واعتذر لمن أخطأت بحقه
وكن صادق مع نفسك حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة
فراحة الإنسان لا تأتي من أن تكون حياته كاملة بل من أن يكون قلبه في سلام معها

وفي النهاية تذكر أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى بداية جديدة في مكان جديد بل
أحياناً يحتاج فقط إلى قلب أكثر رحمة بنفسه

فإذا كنت قد أخطأت فتعلم
وإذا تعثرت فانهض
وإذا تأخرت فلا تيأس
وإذا خذلتك الأيام فلا تخذل نفسك

كن قريباً من نفسك كما تحب أن يكون الناس قريبين منك

سامحها عندما تخطئ واحتضنها عندما تتعب وامنحها فرصة أخرى عندما تشعر أنها لم تعد قادرة

فالحياة أقصر من أن نقضيها في معاقبة أنفسنا على ما مضى
وأجمل من أن نعيشها ونحن نحمل في قلوبنا كل ما كان يؤلمنا

تصالح مع نفسك
فربما السلام الذي تبحث عنه في كل مكان كان ينتظر منك فقط أن تفتح له باب قلبك



عدد المشاهدات : (3708)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :