رم - بقلم: ياسمين زاهدة
أقسى ما قد يحدث لإنسان
أن يُحكم عليه في غيابه.
أن تُروى حكايته بصوتٍ واحد،
ثم يُطلب من الصمت أن يشهد.
تُقال كلمة…
فتصير انطباعًا.
ويصير الانطباع يقينًا.
ويصير اليقين حكمًا.
ثم يمضي الجميع…
ويبقى إنسانٌ واحد يدفع الثمن.
وحده لا يعرف ماذا قيل عنه.
ولذلك توقّف القرآن طويلًا عند لحظةٍ من حياة داود عليه السلام.
خصمان.
ورواية.
وحكم.
ثم جاء صوت الحقيقة من فوق سبع سماوات:
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾
كأن المسألة كلها تختصرها كلمة واحدة:
بالحق.
لا بما بدا.
ولا بما سمعنا.
ولا بما اعتدناه عن أحد.
ولا بما قاله شخصٌ نحبه، أو شخصٌ نثق به.
بالحق.
فكم بين ما نسمعه… وما حدث.
وكم بين ما يُقال… وما كان.
وكم بين صورة إنسان في أفواه الناس، وحقيقته عند الله.
قد يكون الذي نقل الكلام صادقًا فيما رأى.
وقد يكون صاحب الحكاية صادقًا فيما عاش.
وقد يكون كل واحدٍ منهما يحمل جزءًا من الحقيقة.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤوليتنا.
أن نعرف أن الجزء لا يملك حق أن يتكلم باسم الكل.
أحيانًا لا يكون الظلم في الكلمة الأولى.
يكون في الكلمة التي جاءت بعدها:
"صحيح… أنا أيضًا سمعت عنه."
ثم تأتي أخرى:
"دائمًا كان هكذا."
ثم أخرى:
"إذن القرار واضح."
وهكذا…
يُبنى ظلمٌ كامل من أشياء صغيرة،
كل واحدٍ منها يبدو في لحظته شيئًا عابرًا.
حتى يأتي آخر الأمر،
فلا أحد يعرف من ظلم.
الجميع شارك قليلًا.
والإنسان وحده حمل الكثير.
يا من سمعت عن إنسان غائب…
اترك له شيئًا لا يستطيع أن يطلبه منك:
الإنصاف.
لا تصنع يقينك من رواية.
لا تجعل غيابه دليلًا.
ولا تجعل عجزه عن الدفاع عن نفسه فرصةً للحكم عليه.
قل فقط:
"ربما هناك شيء لم أسمعه."
ثم توقف.
فقد تكون هذه الوقفة الصغيرة…
أعظم عدلٍ تقدمه لإنسان.
ويا من ظُلمت…
لا تظن أن الحكاية انتهت عند أولئك الذين لم يسمعوك.
هناك من سمع.
هناك من رأى.
هناك من يعلم لماذا صمتَّ حين كان الكلام سيؤذيك أكثر.
الله.
وعنده لا تضيع رواية.
أما من كان سببًا في ظلمٍ لم يقصده…
فليتذكر:
ليس السؤال دائمًا:
هل أردت أن أظلم؟
السؤال الذي يسبق ذلك:
هل كنت أعرف؟
فقد يكون الإنسان بريئًا من نية الظلم…
ثم يكتشف يومًا أنه كان جزءًا منه.
وحين تُغلق الحكاية في الدنيا،
تبقى صفحة لم تُغلق.
هناك، لن يكون المهم من كان أكثر إقناعًا.
ولا من تكلم أولًا.
ولا من كان حاضرًا.
سيكون هناك شيء واحد فقط:
الحقيقة.
فاحذر أن تكون قد بنيت حكمًا على إنسانٍ غاب عن مجلسك…
ثم اكتشفت يومًا أنه لم يغب عن مجلس الله.
فالغائب عن أعين الناس… حاضرٌ عند من لا تخفى عليه خافية.