رسالة هامة من النائب فريحات الى رئيس الوزراء .. !


رم -

خاص

وجه النائب آية الله فريحات رسالة الى رئيس الوزراء حول ما يتعلق بتنظيم القبول في كليات الطب ومواءمة المخرجات مع سوق العمل وتاليا نص الرسالة :

دولة رئيس الوزراء الأفخم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،

نتوجه إلى دولتكم بهذا الطلب من موقع الحرص على أن تظل سياسات الدولة، ولا سيما تلك المتصلة بالتعليم ورأس المال البشري، محكومةً بميزان المصلحة الوطنية في أوسع مدياتها، لا بضرورات اللحظة وحدها؛ إذ إن القرار الذي يرسم مسار جيل كامل لا ينبغي أن يُقاس بأثره الآني فحسب، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه بعد عقد أو عقدين.

وإننا إذ نقدر دواعي تنظيم القبول في كليات الطب، وندرك مقتضيات الجودة والطاقة التدريبية ومواءمة المخرجات مع سوق العمل، إلا أننا نرى أن هذه الاعتبارات، على وجاهتها، لا ينبغي أن تُفضي إلى تثبيت أعداد القبول بمعزل عن مراجعة مستمرة لمتغيرات السكان، والحاجة الصحية، والتقاعد، والهجرة، وتوسع القطاع الصحي، والطلب الإقليمي والدولي على الكفاءات الطبية.

فالطالب الذي يلتحق بالطب اليوم لن يكون جزءًا من سوق العمل غدًا؛ وبين نقطة الالتحاق ونقطة الممارسة سنوات تتغير خلالها حاجات الدولة وتوازناتها. ومن ثم فإن السؤال الذي يستحق أن يُبنى عليه القرار ليس: كم طبيبًا يحتاج الأردن اليوم؟ بل: كم طبيبًا سيحتاج الأردن حين يصل هذا الجيل إلى سوق العمل، وما الذي سيكون عليه موقع الطبيب الأردني في سوق إقليمي ودولي مفتوح؟

وقد استقر القبول التنافسي في الجامعات الرسمية عند 640 مقعدًا، تضاف إليها مقاعد المكرمات المختلفة والبرنامج الموازي، بما يقارب في مجموعه ألف مقعد سنويًا. وهذه الصورة الكلية هي التي ينبغي أن تكون محل التقييم؛ لا من حيث العدد المجرد فحسب، وإنما من حيث مدى اتساقه مع قدرة الأردن التعليمية والتدريبية، وحاجته المستقبلية، وكلفة البدائل التي تنشأ حين لا يجد الطالب مقعدًا في وطنه.

ذلك أن الطالب الذي يُغلق أمامه باب دراسة الطب محليًا لا يخرج من المعادلة، بل ينتقل بها إلى خارج الحدود. وعندها لا يخرج طالب فحسب، وإنما يخرج معه إنفاق تعليمي متراكم، ومدخرات أسر، وعملة أجنبية، ويُضاف إلى ذلك دعم اقتصادي مباشر لمؤسسات تعليمية واقتصادات خارجية لسنوات. وهنا تتحول المسألة من قرار قبول جامعي إلى مسألة تتصل بكفاءة تخصيص الموارد الوطنية وبصافي الأثر الاقتصادي للسياسة التعليمية.

وتكتسب هذه المفارقة دلالة أكبر في دولة تسعى في الوقت ذاته إلى استقطاب الطلبة الوافدين وتعزيز مكانتها التعليمية إقليميًا. فمن المشروع أن نتساءل: أليس من الأجدى أن نعمل في الاتجاهين معًا؛ أن نستقطب الطالب من الخارج، وأن نحافظ في الداخل على الطالب الأردني الذي يرغب في دراسة تخصص يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار؟

إن استبقاء الطالب الأردني لا يحمي إنفاق الأسرة فحسب، بل يدعم الجامعات والمستشفيات التعليمية وسوق الخدمات المرتبطة بالتعليم، ويُبقي القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. وفي المقابل، فإن تصدير الطالب إلى الخارج يعني تصدير جانب من هذه القيمة معه.

أما الاستناد إلى البطالة وحدها لتبرير خفض القبول، فيستدعي قراءة أكثر اتساعًا؛ فالاختلال في سوق العمل الأردني أعمق من أن يُرد إلى تخصص واحد، والبطالة ليست مشكلة خريجي الطب وحدهم. كما أن الطبيب الأردني ليس موردًا بشريًا محصورًا بسوق العمل المحلي؛ فقد أثبتت الكفاءات الطبية الأردنية حضورها في الأسواق العربية والدولية، بما يجعل الطبيب الأردني، متى أحسن تأهيله، رأس مال بشريًا قابلًا للعمل والتنافس خارج الحدود، لا عبئًا محليًا بالضرورة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية: ما الأساس العلمي الذي يجعل الرقم الحالي هو الرقم الأمثل؟ وهل يستند إلى نموذج وطني طويل الأمد للقوى البشرية الصحية، يحتسب التقاعد والهجرة والنمو السكاني والحاجة الصحية والتوزيع الجغرافي والاختصاصي، فضلًا عن الطلب الخارجي؟ وإذا تغيرت هذه المتغيرات، أفلا ينبغي أن يتغير الرقم تبعًا لها؟

إن التخطيط الحقيقي لا يعني أن نُحسن تحديد الرقم مرة واحدة، وإنما أن نُحسن مراجعة الرقم كلما تغيرت معطيات الواقع. فالرقم الذي لا يتغير مع تغير الحاجة قد يفقد وظيفته التخطيطية، ويتحول من أداة لضبط المسار إلى قيد عليه.

وعليه، فإننا لا نلتمس فتح القبول بلا ضوابط، ولا نتجاوز مقتضيات الجودة والاعتماد والطاقة التدريبية؛ وإنما نلتمس إعادة النظر في أعداد القبول في الطب بمختلف مساراته، ومراجعة السقف الحالي، والنظر في رفعه بالقدر الذي تسمح به الإمكانات الأكاديمية والسريرية، ضمن سياسة مرنة قابلة للمراجعة، تستند إلى تخطيط وطني بعيد المدى للقوى البشرية الصحية.

كما نلتمس أن تدخل في هذه المراجعة، بصورة صريحة، الكلفة الاقتصادية لخروج الطلبة الأردنيين لدراسة الطب خارج المملكة، بما في ذلك ما يترتب على ذلك من خروج العملة الأجنبية، واستنزاف إنفاق الأسر، وتحويل الطلب التعليمي الأردني إلى قيمة مضافة لاقتصادات ومؤسسات تعليمية خارجية، بدل أن يبقى جزءًا من الدورة الاقتصادية الوطنية.

إن الطالب الأردني المتفوق ليس رقمًا في جدول قبول، ولا فائضًا ينبغي التخلص من احتماله؛ إنه رأس مال بشري في طور التكوين. وقد يكون من أعظم وجوه الحكمة الاقتصادية أن تستثمر الدولة فيمن يملك القدرة على التعلم والمنافسة والإضافة، بدل أن تدفعه، بسبب ضيق مقعد، إلى أن يستثمر علمه وماله ومستقبله في بيئة تعليمية واقتصادية أخرى.

وعليه، نلتمس من دولتكم التكرم بالإيعاز إلى مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بإعادة النظر في أعداد المقبولين في تخصص الطب البشري، ومراجعة السقف القائم، والنظر في رفعه بصورة مدروسة ومنضبطة، في ضوء دراسة وطنية متكاملة لاحتياجات المملكة المستقبلية من الكفاءات الطبية، وبما يوازن بين جودة التعليم والطاقة التدريبية من جهة، وبين مقتضيات تنمية رأس المال البشري وحماية الإنفاق الوطني واستبقاء الكفاءات من جهة أخرى.

وإننا إذ نضع هذا الأمر بين يدي دولتكم، فإننا نأمل أن يحظى بعنايتكم ونظركم من باب الحرص على أبنائنا، وصون مقدرات الوطن، وحسن إدارة ثروته البشرية، وتعظيم العائد الوطني من التعليم؛ آملين أن يجد هذا الطلب لدى مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية ما يستحقه من دراسة وتمحيص، وأن تُستعاد في هذا الملف مرونة القرار التي تتيح مواءمة أعداد القبول مع متغيرات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.


النائب
اية الله فريحات




عدد المشاهدات : (4842)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :