رم - د . راشد الشاشاني
ليست مجرد تجاذب سياسيّ بين محافظين و إصلاحيّين تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ، كما رآها الجميع .
الحديث عن رجوع إلى الشعب ، في صيغةٍ تحمل له إنذاراً بمعاناة طويلة ؛ تجرّها الحرب ، في قالب اتهام للسلطة الحاكمة بالذهاب نحو الهاوية ، لم يكن مجرّد نكايا معهودة في " تآلف اللحى " حول كذبة ، حين تفترق المصالح ، ولا تزيل سواد مآربه ؛ عبارات التلطيف وخَطْف الودّ نماذج " التسامح " الشبيهة بنماذج " الوطنجية " و " البكمجية" و " القاماتجية " في مديح مؤسسة الجيش والحفر في " نكاشات الدبلوماسية " و " دبابيس الديموقراطيّة " .
عسكريّتنا تقول : إن رائحةً انقلابيّةً تفوح ، ليس من عبارات روحاني وحدها ، وإن دارت حول مسألة اقتصاديّة ، روّج لها في انعدام فائدة مضيق مغلق ، وهو يقصف خطوات الحرس الثوري في إحكام خنق ترمب فيه .
علينا أن نرى في توقيت هذه التصريحات أمراً لافتا ، حين تتزامن مع تدمير الحرس الثوري زورقاً مسيّراً كان يحاول اختراق المنطقة المحميّة في هرمز .
ظرف كهذا ، يشدّه مشهد تبادل الضربات بين الجهتين ؛ لا يترك ذاته دون أن يشير الى وجود ترتيب أمريكي ما داخل تلك المنطقة ، بواسطة بعض قيادات الحرب في ايران ، التي تتنتظر فرصة الاتقضاض بعد ان غفلت عنها قيادة " لحى التصدير الثوري" التي تصارع ذاتها على قدرة الابتزاز فوق قلعة من المقاتلين ؛ أضاعت قدراتهم هدراً .
سوق الرجوع إلى الشعب ؛ لا تباع فيه الانتصارات ، لو قاد الشعب حرب إيران لانتهت إيران بالكامل .
مسعى روحاني ليس مفاجئاً لنا . قيادة إيران لا تعرف من العسكرة إلّا مقدار طول اللحى ، أمّا القتال فشأن آخر .
خير دليل : اصطياد رأس نظامها ومجموعة من قياداته - التي ربطها ولائها لا قدرتها بضربة - واحدة ساذجة ، لن نقول أنّنا كنّا بحاجة لسجن روحاني لو كنّا في موقع قيادة إيران ، لأنّنا لم نكن لنتركه يتحدّث أصلاً .
بعد أن وجدت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل ضرورة تحريك الشارع الإيراني بماء المضيق ؛ باتت كلتا الدولتين محتاجة لإشعال حربٍ لازالت إيران تراوغ في المضي بها .
عين واشنطن التي فضحتها العناصر السابق الاشارة اليها ، مُضاف إليها تجديد ترمب دعوة الشارع الإيراني للتحرّك ، توجّه نظرها إلى تنفيذ عمليّة عسكريّة ، صغيرة المساحة في المضيق ، كبيرة التاثير ، من حيث :
تجميع قوات بريّة من الإيرانيّين ذاتهم ، وإطلاقهم فيما بعد ، بالتزامن مع تحرّك الشارع بعد أن تولد له آمال على الأرض في الخلاص ، ترى واشنطن في نموذج " قسد " مثالاً ممكنا تطبيقه ؛ تزجّ به الشعب وقيادته في مواجهة بعضه بعضاً ، تحت مظلّة سياسيّة ، لا تبدو تصريحات روحاني بعيدة عنها ، وهي تنفث رائحة أحاديث متبادلة مع الجانب الأمريكي ، الذي رَغب ـ كما ظهر لنا ـ روحاني بإثبات جدارته أمامه.
حديث روحاني عن فكرة الانتقام باعتبارها فكرة بالية ، تتوافق مع مفاهيم ترمب حول انعدام جدوى الإتفاق مع نظام ايران ، وبأنّه لايساوي الحبر الذي يكتب به ؛ ليس بعيداً عن التفاهم الذي يمنح ترمب هدوءاً نسبيّا - وإن كان متوهّما - يُمكّنه من التسويف في الملف اللبناني ، بعد فشل سفيره عيسى في تحقيق أيّ تقدّم ، سوى محاولته - كما رئيسه - فَرد عجوز لعضلاته أمام الفتيات ؛ دفعت قيادة لبنان الى التوسّل من أجل متابعة المفاوضات ، التي أثبتت عمليّاً انعدام فائدتها .
على خلاف ما يرى الجميع ، ليست حسابات الإنتخابات من يفرض المشهد . بات ضروريا لترمب ونتنباهو الاستمرار في حرب يجب لها ان تجر دول الجوار ، المقصود : أن لا تنتهي بسرعة ، لان نهايتها سوف تضعف موقف كلّ منهما ولو كانت انتصاراً .
الشعوب لا تغير قادتها في الحروب . هذا يحتّم أن لا يزيد دور كلاهما عن حدّ ضامن إشعال الحرائق لزمن ، لقد كان هذا سبب تمديد مهمة القوّات الامريكيّة ، التي ينبغي لها ضمان تقليب النار ،لا تنفيذ الهجوم على إيران ، إلّا في حالة التأكّد من إسقاط نظامه .