د , مهدي مبارك عبد الله
بداية ارجو التنويه بانني لستُ على معرفة شخصية بالطالبة لين المجالي وان كانت معرفتها ولقائها يشرفني كما لا تربطني بها أو بعائلتها اي صلة قربى او معرفة بمدرستها ولم أسمع بها إلا من خلال قائمة نجاحها الشرفي في الثانوية العامة لهذا العام غير أن قصتها الاستثنائية وكفاحها الأسطوري هزا أعماق قلبي ووجداني كإنسان وأردني فآثرت أن يخط قلمي هذه الكلمات بكل تجرداً وموضوعية ورغبة صادقة في رسم بسمة فرح وزرع وردة عطرة على طريق امالها ودعماً لمسيرة فتاة براءتها تملئ وجهها وتستحق بكل جدارة أن يحتفي بها الوطن بأكمله .
نجاح لين لم يكن مجرد علامة عادية ظهرت على شاشات الحاسوب بل كان وثيقة إعلان استقلال وبطولة مطلقة لصبية أردنية تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً حين صرخت لين من أعماق قلبها محتضنةً والديها فرحةً بمعدلها البالغ 68% في الفرع الأدبي حيث كانت في تلك اللحظة الفريدة تمزق بجرأة كل الأحكام المسبقة وتهدم جدران اليأس السلبية التي طالما أحاطت بذوي الإعاقة الذهنية متلازمة داون لتنجح في امتحان الثانوية كأول سابقة استثنائية مضيئة في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية حيث لم تمنعها طبيعة حالتها الذهنية ولا التحديات الإدراكية المصاحبة للمتلازمة من الجلوس على مقاعد الاختبار الوزاري الأقسى والاشد اكاديميا في البلاد .
من داخل أسوار مدارس ( آيلا العالمية ) التي احتضنتها ورعتها وشجعتها وتابعتها بكل التزام واهتمام صاغت لين معزوفة من نوع خاص ففي الوقت الذي كان البعض يرى في الإعاقة الذهنية نهاية للمسار الأكاديمي وربما الحياتي أثبتت لين للعالم أجمع أن الإعاقة مهما بلغت شدتها ونظرة المجتمع لخطورتها ليست حاجزاً أبدياً يقف في وجه الانسان ومستقبله بل هي مجرد تحدّ صارخ يتفتت تماماً وينهزم كليا أمام صخرة الطموح العنيد والإرادة والصلابة الروحية التي لا تلين .
لقد كان وراء هذا الإنجاز الأسطوري قصة مثابرة يومية ملهمة امتدت لسنوات طوال من العمل الدؤوب والمتابعة الحثيثة للنجاح في التوجيهي خاصة لشخص يعاني من تحديات إدراكية وذهنية ولم يكن وليد الصدفة بل جاء نتاج رعاية استثنائية وبيئة تربوية نموذجية أثبتت أن البيئة السليمة تصنع الفارق دوماً حيث تقف اليوم عائلة لين كنموذج يحتذى به في الوعي والتربية المسؤولة حيث رفض والداها منذ اللحظة الأولى حظر طفلتهما في خانة العجز أو الحجر عليها والاستسلام للنظرة المجتمعية السلبية القاصرة وبدأوا في تحفيز واستثمار قدراتها وإمكاناتها ووفروا لها أجواء الدراسة والمتابعة اليومية والدعم النفسي والمعنوي مؤمنين بأن ابنتهم تمتلك عقلاً يطلب العلم ونفسا سليمةً تتوق للنجاح .
في المقابل لم تدخر لين المثابرة أي جهد في ترجمة رعاية أهلها إلى أفعال حيث كانت تقضي ساعات طويلة تصل إلى سبع ساعات يومياً في دراسة ومراجعة المناهج الأكاديمية الصعبة متجاوزة الصعوبات الذهنية الخلقية بتركيز عالٍ وإصرار متواصل لا يعرف الكلل بينما لعبت مدرستها آيلا العالمية وكافة الطواقم والإشراقية والتدريبية دوراً محورياً وشريكاً حقيقياً في الوصول الى هذا التميز من خلال تقديم التوجيه التعليمي الحديث والمتخصص وتوفير بيئة دامجة وآمنة حمت لين من قسوة التحديات النفسية المحيطة بها أو تعرضها الى ممارسات التنمر التي قد تتعرض لها كما ساعدوها على اكتشاف ذاتها بقوة وبناء الثقة في نفسها .
لا يفوتنا هنا وفاءا للحقيقة العلمية والتعلمية وتكريما لأهل الفضل والامانة من ابراز الدور الإنساني والأكاديمي العظيم للكادر التدريسي لمعلمي لين ومعلماتها الذين يستحقون منا كل الشكر والثناء والدعاء بالخير تقديرا عاليا لجهودهم المباركة حيث كانوا معا الأيادي الحانية التي غمرت لين بالصبر وقوة المعنويات واحتوت قدراتها بالحب والتشجيع وحوّلوا قاعات التدريس إلى منارات للأمل حيث بذل هؤلاء الفرسان جهوداً مضاعفة لتبسيط المناهج وتفكيك العقبات التعليمية وتطويع الوسائل التربوية لتناسب إمكاناتها الذهنية بيقين لا ينفد وإيمان لا يتزعزع حتى أثمر غرسهم في تحقيق نجاحها الباهر فجزى الله أولئك المعلمين والمعلمات كل خير وجعل عطاءهم في ميزان حسناتهم لأنهم أثبتوا أن المعلم ليس ناقلاً للمعلومة فحسب بل هو صانع إنسان ومهندس إرادة يبعث الحياة في طموحات تظنها العقول القاصرة مستحيلة .
المختصون والمعنيون يعرفون جيدا من الناحية العلمية البحتة ان المصابون بمتلازمة داون يعانون من تحديات صعبة في الذاكرة والاستيعاب وهي الأدوات الأساسية التي يقوم عليها امتحان التوجيهي التقليدي وعندما تجتاز لين مناهج تعتمد على الحفظ المطول والتحليل المركب فإنها لم تنجح في الامتحان الأكاديمي فحسب بل هزمت القيود المفروضة عليها كمصابة بالمرض وقدمت دليلاً حياً لعلماء التربية والطب على أن مرونة الدماغ البشري وقوة الإرادة قادرة على إعادة تشكيل مسارات التعلم بما يتجاوز التشخيصات الطبية الجاهزة والمعتادة .
بكل مصداقية ومكاشفة واقعية ان نجاح لين بهذه التجربة اللافتة شكل صفعة قوية لثقافة الشفقة والوصمة الاجتماعية التي طالما حاصرت ذوي الإعاقة الذهنية في إطار العالة أو الطفل الأبدي لتصبح لين اليوم لا تطلب عطفاً من أحد بل إنها تفرض جدارتها وتنتزع اعترافاً مجتمعياً كاملاً بصفتها مواطنة منتجة وشريكة في صياغة مستقبل الوطن والاهم ان هذا الإنجاز يعيد تعريف مفهوم الهمم العالية من مجرد شعارات تُرفع في المناسبات والندوات إلى واقع ملموس يُترجم على مقاعد الدراسة وميادين العطاء ودروب المستقبل .
عمليا ان تجليات المشهد الأسطوري لنجاح لين تبرز في مجتمعنا مفارقة مؤلمة وتساؤل عميق يستحق التأمل والوقوف عنده مطولاً حول كمّ الطلبة الأصحاء من حيث الجسد والعقل الذين تتوفر لديهم أحدث سبل الرفاهية والترفيه وسُخرت في بيوتهم أفضل المدارس الخاصة والمراكز التعليمية المتطورة والمدرسين الخصوصيين كما وُفرت لهم كل وسائل الراحة النفسية والمادية ومع ذلك لم يحققوا النجاح المطلوب في الثانوية العامة ليتضح أن المشكلة في حقيقتها لا تكمن في القدرات العقلية أو الظروف المحيطة بل في نقص الإرادة الصلبة والافتقار إلى الإصرار المتواصل .
لقد جاء نجاح لين بمثابة درس قاسٍ وبليغ لكل المتقاعسين والمتكاسلين أثبتت فيه هذه الفتاة العظيمة أن التميز لا يصنعه الجسد السليم فقط بل تحققه ايضا الروح الجسورة والمؤمنة الصبورة التي ترفض الاستسلام والخضوع للظروف والاحوال وحين يتذرع الكثيرون من الطلبة بصعوبة المناهج أو قسوة الظروف تأتي لين بمعدلها المشرف لتقول للجميع إن العائق الحقيقي الوحيد هو عائق الإرادة والعمل وأن المستحيل كلمة لا وجود لها في قاموس الواثقين بأنفسهم وبقدراتهم.
الامر الاخطر في السياق الرسمي إن هذا الإنجاز غير المسبوق يضع المنظومة التعليمية والتشريعية في الأردن أمام مسؤولية تاريخية حيث يثبت بالبرهان القاطع أن الاستثمار في ( التعليم الدامج ) وتدريب الكوادر البشرية ليس ترفاً بل هو واجب وطني وإنساني يتطلب من الحكومة تعميم تجربة لين لتصبح استراتيجية وطنية شاملة لكافة المدارس الحكومية في جميع المحافظات والقرى لضمان ألا تضيع مواهب الآلاف الطلاب من أقران لين بسبب غياب البيئة الحاضنة لهم خاصة وأن طموحات لين لم تقف عند عتبة المدرسة بل امتدت لتلامس سماء الشغف الجامعي ووفقاً لاهتماماتها الواعدة وقدراتها فإن التخصصات الأنسب لحالتها تتجلى في مجالات التسويق الرقمي والإعلام وصناعة المحتوى وهي المجالات التي تتطلب مرونة إبداعية وتمثل المنصة المثالية التي تطمح لين من خلالها لتأسيس عملها الخاص وإيصال صوت فئتها إلى العالم بطريقة تلائم إمكاناتها العقلية المتميزة .
حفظا للتاريخ الاردني المشرف والتوثيق الوطني الصادق نؤكد ان هذا النجاح كان تحدٍّ صارخ وسابقة تاريخية تستحق أن تُكتب بماء الذهب وإن الآمال تعقد اليوم وتتطلع النفوس إلى رعاية ملكية خاصة من لدن صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم بشمول الطالبة ( لين المجالي ) بمنحة دراسية كاملة على نفقة الديوان الملكي الهاشمي العامر لتمكينها من إكمال تعليمها الجامعي كبادرة أمل وطنية وتشجيعية تزيد من الأمل في نفوس هذه الفئة من أبناء الوطن وتكبر الطموح لدى عائلاتهم وتؤكد مجدداً أن القيادة الهاشمية هي المظلة الحانية والراعي الأول لكل قصة كفاح وتميز وان تحول قصة لين من إنجاز شخصي إلى خطة عمل وطنية تفتح أبواب الجامعات بشكل اوسع لذوي الهمم .
نرفع الهامات فخراً واعتزازاً بابنتنا الغالية لين وبنجاحها التاريخي المشرف ونبرق لها بأسمى آيات التهنئة والمباركة على هذا الفوز الاستثنائي الكبير الذي هزّ القلوب وأحيا الأمل لان التفوق والنجاح يليقان بكِ يا لين الغالية ونسأل الله العلي القدير أن يسدِّد على طريق الخير والمجد خُطاكِ وأن يجعل هذا الإنجاز فاتحة لنجاحات أكبر وأعظم ومنها للأعلى دائماً بعون الله وتوفيقه خاصة وأن لين لم تعد تمثل نفسها أو عائلتها فحسب بل أصبحت رمزاً وطنياً تتطلع إليه أمهات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في كل بيت أردني وعربي باحثات في عينيها عن بصيص أمل يُبدد مخاوفهن حول مستقبل أبنائهن بعد ان غدت لين الأيقونة التي تُستدعى كلما تملك اليأس من طالب أو أحاطت الظروف بمتعثر لتذكره بأن الفتاة التي تحدت كل الصعاب والمعوقات حفرت اسمها في سجلات المجد فلماذا يستسلم الأصحاء.
خلاصة القول ستبقى لين المجالي أكثر من مجرد اسم في قوائم الناجحين بل علامة فارقة في مسيرة التعليم الأردني وأيقونة ملهمة سطرت بدموع فرحها ومثابرتها رسالة كونية خالدة لكل إنسان يمر بظرف خاص أو يواجه جداراً من الإحباط تدعوه لأن يصنع نجاحه بنفسه فالقمم لا تُمنح إلا لمن يجرؤ على الصعود اليها وقد أثبتت لين أن حالتها الخاصة لم تكن يوماً عبئاً ثقيلا عليها او على ذويها بل كانت دافعاً للإصرار والنور والقدرة على إدهاش العالم فطوبى للطالبة لين التي علمتنا معنى الحياة وطوبى لعائلتها ومدرستها ومعلميها الأفاضل الذين آمنوا بالمعجزة حتى تحققت وباتت في متناول اليد اخيرا : أن سنبقى ننتظر بوافر الشوق والرجاء ان تتوج هذه الفرحة الوطنية الكبرى بمكرمة ملكية هاشمية حانية تعيد رسم ملامح الأمل في قلوب كل الأردنيين وتؤكد أن المستحيل ليس خيارا أردنياً ولن يكون .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |