المقامة السياحية


رم -

حدّثنا مسرورٌ بنُ مسافر أنّ أربعةَ أزواجِ، لا من الضّأن والمعيز، كما ورد في الكتاب العزيز، بل هُم أربعة أزواجِ أَخَوان وأُختان، وعديلانِ شقيقانِ، وأختانِ شقيقتانِ، وبعد ليال من التفكير والتدبير، وتوفير ما يلزم للرحلة من الدنانير، عقدوا العزم على السفر، وتفقدوا جوازات السفر، وتأكدت الرحلة ولا مَفرّ، وكما حدثنا( مسرور) أنّهم لم يناموا ليلتها، قضوها بين جلي القُدور والصحون من أثر الزفر، وحلق الذقون والظُفر، وترتيب الحقائب، وتذليل المصاعب، وتجهيز ما لذّ من أطايب.

 

ناموا ليلتها دون نوم، وغاصوا في أحلامهم دون سُترة عوْم، لكيلا يزعجوا من في البيت من قوْم. موعدهم عمّان، وليلهم ليلان، وبين الكرك وعمان ساعتان كاملتان، وكيف الوصول لمكان الانطلاق، وليل الطريق الصحراوي لا يطاق، كيف الوصول قبل الصباح وما من ديك قد تهيأ بعدُ للصّياح! وما من مئذنة تدعو إلى الصّلاة والفلاح، ولم يجدوا عند وصولهم الباص من الراكبين سوى أشباح. جاء السائق الجرّاح وشقّ خاصرتيْ الباص بالمفتاح، ليضع الحقائب الملأى، وكأنّها محشوّة بالرصاص أو الأملاح! وبعد أن استراح، وتفقد الركاب من العجزة والمتقاعدين والنساء المِلاح، أدار المفتاح، منطلقا بهم من عمان إلى بيروت، ومن غابات دخان السيارات، إلى غابات الأرز والتوت والتفاح، ومن موقف المغادرين من أمام حلويات وحاويات (عرفات) إلى الماء والخضرة ووجوه الحسناوات.

بيروت في الذهن لا تموت! مليكة أنت ياعشتروت، قالها راكب في الباص للراوي في خفوت، وهم يغادرون (بركة الببسي) عند الجسر لالتقاط الراكب الأخير، هزيع الليل في الزرقاء (مدينة الغبار والمصفاة والغباوي ) جسمٌ أصابه الشلل، وعاجزٌ أحسّ بالملل... الباص يعوي ويغوي بالوصول، واقتراب الأمل... وما إن انقطع الباص عن العويل والصفير، والركاب عن التملمُل والزفير والشّخير، حتى توقف الباص عند استراحة (مرح)آخر معاقل بُن العميد ، ويالَهُ من فرح!

نزل الركاب من الباب يفركون عيونهم من أثر النعاس، يتقافزون محدودبين ليزاحموا العجائز والكواعب الأتراب عند درَج الباب، ليشهدوا منافع ومدافع لهم عند الحمامات، أو ليتخلصوا من نقودهم وتحويلها إلى دولارات قبل الفوات، وبعد أن شمروا ثيابهم للوضوء، وصلّوا ركعتي الفجر خفيفتين بحجم سورتي الفلق والناس، تفرّغوا لقهوة عميد آخر الليل، ولشاي الميداليات والعلاقات ذي الخيطان بالأكياس، فعجقوا الباص بالبسكوت والمارس والشاي والأشباس، ولم يتمالك السائق من حبس الأنفاس، حتى صاح: يا ناسْ.. يا ناسْ، مشان الله ضعوا قمامتكم في الأكياس، وتمتم أعوذُ برب الناس من شرّ الناس. لم ينصتوا لزعيقه، ولم ينصاعوا لنهيقه، بل انشغلوا بقراءة دعاء السّفر، فحقق الله رغبتهم سريعا بأن أعادهم إلى أهليهم سالمين دون وعثاء السفر!!!

على الحدود وعلى كتف الصحراء يرقد مركز جابر بوجهه الأزرق، يا جابر يا عظيم! وقف باصهم أمامه كالعادة، للتفتيش والتنبيش، وفتحوا جوازاتهم عند صعود الشاويش، للتدقيق وأنّ كلّ شيء فيه على التّمام بالتحقيق، غير أنّ واحدا من الأزواج، مجاورا لنافذة الزجاج، لم يسمحوا له بأن يُغادر السّياج! لأنّ جوازه سينتهي بعد شهر... بعد شهر! حقّا هذه سمعة جديدة ، ولم نقرأها في الجريدة، لكنّها معلومة أكيدة، الشهر أعادهم من الحدود في برود ..الشهر!! يا الله، ما أمرّ القهر! الباص ولّى مسرعا دون أن ينظر إلى الخلف ...فرحلتهم مُلغاة، وحقائبهم على الأرض وسط الصحراء غسقا مُلقاة، وقد خسروا ما دفعوه للشركة النصّابة، وسط تأثُّر أصحابِه لِما أصابَه... فقفلوا راجعين إلى عمّان حيث حلويات عرفات، وكأن سائق الأجرة المتقاعد الذي أقلّهم يقول : مصائب قوم عند قوم فوائد! فهذا من المضحكات المبكيات، ولكنّه ضحكٌ كالبُكا !

 

عند السّاعة السّابعة صباحا كان أربعتهم أول من افتتح مطعم جبارة بعد الانكسارة، للإفطار،ومسح العيون بعد تقديم الفلافل والصحون، ونسيان بيروت والجواز ومتعة الأسفار، وإغفال ما صار، وتقديم الأعذار، بجهل القانون والقرار، وقبل أن يصل الأمر إلى استدعاء رجال الشرطة والدرك، لفضّ المعترك بين الأخوة الأعداء من عمّان إلى الكرك !!!




عدد المشاهدات : (257)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :