رم - تخيل أن تصل إلى مكتبك صباحاً، تفتح جهاز الكمبيوتر وتبدأ يوم عمل عادي كما تفعل منذ سنوات. تراجع رسائلك، تنجز بعض المهام، تكتب تقريراً وترسل النتائج إلى مديرك. كل شيء يبدو طبيعياً، باستثناء شيء واحد، جزء كبير من العمل الذي كنت تحتاج ساعات لإنجازه أصبح الذكاء الاصطناعي ينجزه خلال دقائق.
في البداية، قد يبدو الأمر مريحاً. برنامج يساعدك على الكتابة، وآخر يحلل البيانات، وأداة تجيب على العملاء بدلاً منك. لكن بعد أشهر، يبدأ سؤال مختلف في الظهور، وهو إذا كان نظام واحد يستطيع إنجاز هذا الجزء من العمل، فكم موظفاً ستحتاج الشركة فعلاً؟ هذه ليست قصة خيالية عن المستقبل البعيد.
تغيير طريقة عمل
بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل في تغيير طريقة عمل الشركات والموظفين، وسط تقديرات تشير إلى أن تأثيره قد يمتد إلى نحو 40% من الوظائف حول العالم. وقد لا يعني ذلك أن ملايين الأشخاص سيجدون أنفسهم بلا عمل بين ليلة وضحاها، لكن طبيعة المنافسة داخل مكان العمل تتغير. فالخطر الحقيقي قد لا يكون أن يأتي الذكاء الاصطناعي ليأخذ وظيفتك مباشرة، وإنما أن يصبح موظف آخر يستخدمه أكثر منك كفاءة، فتقرر الشركة أنها لم تعد تحتاج إلى العدد نفسه من الموظفين. وهنا يصبح السؤال الذي يهمك أنت، هو إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بجزء من عملك اليوم، فماذا سيبقى من وظيفتك غداً؟
ملايين الوظائف أمام الاختبار
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف حول العالم، وترتفع النسبة في الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 60%. ولا يعني ذلك اختفاء هذه الوظائف جميعاً، بل أن جزءاً كبيراً من مهامها يمكن أن يتغير أو يتم تنفيذه بمساعدة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تتوقع دراسات وتقارير اقتصادية فقدان ملايين الوظائف مع انتشار الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع ظهور وظائف جديدة مرتبطة بالبيانات والبرمجة والأنظمة الذكية. لكن المشكلة بالنسبة للموظف ليست بالضرورة أن يستيقظ صباحاً ليجد أن وظيفته اختفت، بل أن عدد الأشخاص المطلوبين لأداء المهمة نفسها قد ينخفض.
92مليون وظيفة مهددة بالتغيير
الأرقام تكشف حجم التحول المنتظر. فبحسب تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يُتوقع أن تؤدي التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية وغيرها إلى إزاحة نحو 92 مليون وظيفة حول العالم بحلول عام 2030. لكن الرقم لا يعني أن الذكاء الاصطناعي وحده سيقضي على 92 مليون وظيفة، فالتقرير يجمع تأثير الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتحولات الاقتصادية والطاقة والديموغرافيا وغيرها. ومع ذلك، يضع التقرير التطور التكنولوجي في قلب التحول، مع توقع نمو سريع في وظائف الذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا، بالتزامن مع تراجع أدوار أخرى.
وبالنسبة للموظف، ربما يكون الرقم الأهم ليس عدد الوظائف التي ستختفي، وإنما عدد الوظائف التي ستتغير طبيعتها. فوظيفتك قد لا تختفي، لكن نصف المهام التي تؤديها اليوم قد تصبح قابلة للأتمتة، لتصبح قدرتك على استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من قدرتك على الاحتفاظ بمكانك في سوق العمل.
هل وظيفتك معرضة للخطر؟
الوظائف التي تعتمد على مهام متكررة وقابلة للتحويل إلى عمليات رقمية تبدو أكثر عرضة للتغيير. وتشمل مجالات مثل خدمة العملاء، إدخال البيانات، بعض الأعمال الإدارية، الترجمة، كتابة المحتوى الأساسي، المحاسبة وبعض المهام القانونية والتسويقية.
وفي كثير من الحالات، لن يستبدل الذكاء الاصطناعي الموظف بالكامل، لكنه قد يسمح لموظف واحد بإنجاز العمل الذي كان يحتاج سابقاً إلى عدة أشخاص. وهنا تكمن المنافسة الجديدة، حيث قد لا تكون المنافسة بينك وبين الذكاء الاصطناعي، بل بينك وبين موظف آخر يعرف كيف يستخدمه بشكل أفضل منك.
ماذا يمكنك أن تفعل؟
لا يعني ذلك أن المستقبل مغلق أمام الموظفين. على العكس، قد تصبح القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي واحدة من أهم المهارات المطلوبة في سوق العمل.
فالموظف الأكثر استعداداً هو الذي يتعلم كيف يجعل الذكاء الاصطناعي مساعداً له، بدلاً من تجاهله. كما أن تطوير مهارات يصعب أتمتتها، مثل التواصل، اتخاذ القرارات، التفكير النقدي، الإبداع وفهم احتياجات العملاء، يمكن أن يمنح الموظف ميزة إضافية.
في الخلاصة يمكن القول أن مهنتك قد لا تختفي غداً، لكن المهام التي تقوم بها اليوم قد لا تكون نفسها بعد سنوات قليلة. ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع التغيير ليست الخوف منه، وإنما الاستعداد له قبل أن يصبح مفاجأة داخل مكان العمل.