بناء فوق الوهم


رم -

د . راشد الشاشاني

كي لا يُفاجأ أحدكم بما نقول ؛ يجب علينا أوّلاً : تثبيت مسألة استخدام مصطلح " الوهم " وفقا للفهوم السائد ؛ تسهيلاً لتحقيق منشود هذه الكلمات ، وعلى اعتبار أنّ نظّريّتنا لا تقرّ مفهوماً للوهم ، ولا حيّزاً له وفقا للسائد . يبدو تثبيتنا للمصطلح ؛ مع التنويه إلى عدم إقرارنا بماهيّته ؛ مدخلاً مناسباً للحديث عن محرّماتٍ اعتاد الإنسان التزام حدودها .

ليست قاصرة هذه المحرّمات على مسائل الديانات ؛ بل تمتدّ إلى كافّة المسائل التي يمكن للإنسان تخيّلها وهو يتعامل مع " مُصَدّقاتها " يوميّاً ، بل تُقرّر هي عنه مسارات حياته ، وفقا لتثبيت هذه المسارات في عقله ، الذي استولت عليه آليّة " الثوابت أو لا يجوز" التي لا تملك من ثبوتها سوى تراكم الخوف من مخالفتها ، لقد تحدّثنا في مقالتنا السابقة عن مَنشأ فكرة كرويّة الأرض ؛ لن نعيد مثالنا لكنّنا نورد ذلك مثلاً على الخوف من مخالفة فكرة كهذه .

الجديد في حديثنا : هو أنّ هذا الخوف من مخالفة الفكرة بُني أساساً على فكرة خائفة بذاتها ، وهي التي تحدّثنا فيها عن قداسة الإخراج السينمائي " أو " العرض المقدّس " لفكرة وُضعت " لتسود وتَقهَر " لا " لتنفع " .
هذا الخوف المتراكم ، المُقترن بطول العهد ؛ بات _ فوق الخشية من تبعات مغايرَة هَواه _ مساراً حتميّاً لكل طلّاب المعرفة والسائرين في مسالكها على اختلاف مستوياتهم وأهدافهم .

ما يميّز الصورة التي نتحدّث عنها : هو تلك القيود التي تفرضها مسارات " إرهاب ورعب الصِدام " بحيث باتت هذه القيود تشكّل مدارس وأقساماً "علميّة " لا يكون علماً _ وفقا لهذه التعاليم _ ما يخالفها . وهنا نعود لنؤكّد تناقض نظريّتنا في تحديد ما يُعدّ علماً من غيره وفقا للسائد .

لنضرب مثلًا توضيحيّا : فكرة الصعود إلى سطح القمر ، التي لا نصدّق كثيراً من تفاصيلها ؛ بُنيت على أساس من نظريّات شكل الأرض ، القمر ، الشمس ... الخ وحركة كلٍّ منها ، انتبه أنّهم يقرّرون فوق ذلك أنّها جميعا تتحرّك وتدور وتُنتج ظواهر عدّة وغير ذلك ، في حين لا نقرّ مثل هذه " الحقائق " التي قلنا أنّ نشأتها لم تكن سوى ردّة فعل خائفة من مخالفة أصحاب الديانات وانقلاب الناس عليهم .
سنقتصر في عرض سذاجة بعض أفكار الفضاء ؛ بإشغال الناس بالإجابة على تساؤلٍ مفاده : هل يستطيع أحد أن يصل إلى مكان يرى فيه " ويصوّر لنا شكل وحركة الكواكب " كي يمكننا التعامل بعد ذلك مع هذه الصور وما يمكن استنتاجه منها ؟

بالتأكيد لا ؛ لكنّ مسؤوليّة من يخالف أفكاراً تفرضها مؤسّسات عاملة في شأنٍ كهذا ومعها أشخاصها تفوق قدرة الناس ؛ الذين يجدون في التسليم معبراً آمناً نحو متابعة مصالحهم بغضّ النظر عنها .
من يريد مخالفة ذلك مثلاً : عليه أن يبيني مؤسّسة ضخمة ويستخدم فيها من المعدّات ما يفوق موازنات الدول وعليه أن يقع تحت سطوة قوانين دول ، هذه كلّها تجعل مستحيلا " العبث " في شأن كهذا ، هذه الصورة يمكن سحبها على كلّ ما سواها والأهمّ : هو سحبها على الماضي والبعيد خاصّة .

هناك مثلٌ يبدو أكثر تفاعلاً مع حياة الناس اليوميّة ؛ فإذا أخذنا علم تفسير الأحلام ؛ لوجدنا أنّ هناك من يفسّر بعض " رسائل النوم " التي تصل إلى الناس في أحلامهم بأنّها أضغاث أحلام ؛ على اعتبار أنّ أضغاث الأحلام _ لا أعرف ما فائدة التسمية _ لا قيمة لها ، فيما لا نرى في أيٍّ من رسائل النوم ما لا قيمة له ، لقد قرّر من عجز عن تفسير منام ما في ظلّ حكم ديانة ما _ بغضّ النظر عن المكان والمناسبة _ أنّ جِهله ؛ الذي أزاحه من أمام رؤية المراقبين ؛ بستارٍ ابتِدِعِهُ ، كما ابتدع غيره فكرة كرويّة الأرض وصعود القمر وغيرها .
هذه صورة مثلا لمن لا يملك علماً يدّعي فيه بلوغه مستوى متقدّماً حتى ، لقد غاب عن هؤلاء أن تفسير الأحلام علم ذو طبيعة خاصّة لا يملكه أحد إلا بطبيعته ، بمعنى أنّه ليس علماً يُدرِسُ أو يُدرّس ، كما أنّ ليس له قواعد يمكن لأحد الإستناد إليها ، أنّه هبةٌ او ميزةٌ لصاحبه فقط ، وكلّ ما سيق في قواعده لم يكن سوى تسلّقا لمصلحة ما.

مع تجمهر الناس حول أمانِهم ؛ بتصديق مثل هذه الكذبات ، بُني في نفوسهم حصنا من " الأوهام " لم يعد يمكنهم معه مخالفتها ، وإن حاولوا أحياناً التخلّص من هذه السطوة ، إلّا أنّ حسابات الربح أو تقليل الخسارة تطغى في معادلتهم تلك .

لا تنتهي هذه الصورة المركّبة من " تسلّق المصالح فوق تسلّق الأوهام " عادةً في وقتٍ قصير ؛ بفعل آلية تركيبها ؛ التي تقطع كلّ محاولات وقفِ نُموِّها ، ما يعني : أنّ عُلوّا شاهقاً سوف يخيّم فوق فِكرِ مجموعاتٍ ضخمة من الناس ، لكنّ الناس يغفلون عن استناد هذا العلوّ على " رأس دبّوس " او بصورة أوضح على ظهر حوت أو سلحفاة ، ما إن يتحرّك هذا الحوت ، الذي يضمن للبناء مساحة من العلوّ وزمناً من السيادة ؛ حتّى ينهار في لحظةٍ كلُّ ما يعلوه .

لكن ؛ تبقى فكرة " الدبّوس " هي سيّدة مشهد التقلّبات ؛ الحوت لن يتحرّك من تلقاء ذاته ؛ قد تُثقل حمولته هذه الحركة ؛ وقد يسيطر عليها قوّة ما ، لكنّ " الدبوس " الذي يعني ضربة في " مرمى غير متوقّع " من " ضارب " غير متوقّع يكفِلُها ويَكفَلُه الزمان ؛ بطبيعته التي تأبى سيادةٍ أبديّة .

وَخزَةُ الحوت ؛ التي يغفل عنها الجميع إلّا فاعِلُها ؛ قد يتعدّى وصفها ب : المعجزة ، الزمان ، الكارثة ، المُخلّص ، المُنتظر ... الخ ، لكنّها سُنّة لا تتخلّف ، تُرتّب قدومها كلّ تفاصيل " العلوّ " التي بناها شَدُّها بعضها ببعض ؛ حتّى افتقدت " ليونة التحرّك " فوق مركبّات نظام الكون ؛ بما يُقصيها عن فلسفة عقابه ، فتقع تحت شرّ هذا العقاب باستحقاق أوان ردّ الحقوق ، من مشهد كهذا يمكن لأصحاب فكرة " العالم العادل " أن يروا نظريّتهم من زاوية أخرى .

لن يفوتنا قبل أن نهاية حديثنا أن نذكر مثالاً من "عقر دار العلم " ؛ يعتبر البحث العلمي الموافق لشروط النشر في المجلّات العلميّة موافقاً للأصول اذا احتوى مثلاً : على أحدث الأبحاث المتخصّصة في الموضوع ؛ ما يعني : أنّ البحت بطبيعته الحتميّة يجب أن يستند إلى ما قيل في موضوعه وإلّا كان " مجرد حديث " وفقاً للسائد ، أيّ أن البحث وفقا لهذا التحديد لا يعدو أن يكون ترديداً لما قيل ؛ بغضّ النظر عن صحة أو منشأ ما قيل .

هذه الوضعيّة ؛ تسمح لجميع الناس أن يكونوا باحثين ويُطلق عليهم لقب " العلماء " وهو أمر لا تقرّه الطبيعة ؛ العالم هو من يخلق ما لم يوجد ؛ أمّا مَن يَصِفُهُ بِجَمعِ خَواصِّه ؛ فهو غير ذلك ، لهذا ؛ تجد أنّ ما يُقدّم على أنّه جديد لا يستند إلى الأبحاث "الدارجة " يدخل في أحد تصنيفين : فإمّا أن يوصف بالجنون أو الخيال ، أو أن يوصف بالهراء .
هذه المؤسّسة الحاضرة في فكرة العلوم كلّها وأبحاثها معها ، ومؤسّساتها وهيئاتها هي من تفعل ذلك ، تسمح للجميع كي يضيع الجميع .



عدد المشاهدات : (3565)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :